قال النبي عليه الصلاة والسلام ( «حتّى لو دَخَلوا جُحرَ ضَبّ لَدَخلتُموهُ» . قلنا: يا رسولَ الله, اليهودَ والنصارَى؟ قال: «فمن» ؟ أخرجاه) يعني البخاري ومسلم، وجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة؛ بل عماد هذا الباب على هذا الحديث من أن كل كُفْرٍ وشرك وقع في الأمم السالفة فسيقع في هذه الأمة، الأمم السالفة عبدت الأوثان وكفرت بالله جل وعلا فسيقع في هذه الأمة من يعبد الأوثان ومن يكفر بالله جل وعلا في الربوبية وفي الإلهية وفي الأسماء والصفات وفي أفعال الله جل وعلا وفي الحكم والتحاكم، وهكذا في أنواع كثيرة مما حصل فيمن قبلنا حتى في أمور السلوك والبدع؛ بل حتى في أمور الأخلاق والعادات التي قد تتصل بالدين فإنه سلكت هذه الأمة مسلك الأمم قبلها مخالفة نهي النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال بعد ذلك (ولمسلم عن ثوبان(- رضي الله عنه - ) ) وساق الحديث حديث ثوبان وهو حديث طويل ووجه الشاهد منه قوله عليه الصلاة والسلام (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) والأئمة المضلون هم الذين اتخذهم الناس أئمة, قد يكون من جهة الدين، وقد يكون من جهة الوِلاية -يعني ولاية الحُكم-، والأئمة المضلون يملكون زمام الناس فيضلون الناس بالبدع وبالشركيات ويُحسِّنونها لهم حتى تغدوا في أعينهم حقا، وكذلك أصحاب النفوذ وأصحاب الحكم فإنهم إذا كانوا مضلين فإن بيدهم الأمر الذي يجعلهم يَفرضون على الناس أشياء ويُلزمونهم بأشياء مضادة لشرع محمد - صلى الله عليه وسلم - من أمور العقيدة والتوحيد ومن أمور السلوك والعمل ومن أمور الحكم والتحاكم، وهكذا وقع في هذه الأمة وخوف النبي عليه الصلاة والسلام من الأئمة المضلين وقع ما خاف منه عليه الصلاة والسلام فكثر الأئمة المضلون في الأمة؛ الأئمة المضلون من جهة الأتباع والأئمة المضلون من جهة الطاعة.
قال (وإذا وقع عليهم السيف، لم يرفع إلى يوم القيامة ولا تقوم الساعة حتى يلحق حيّ من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) هذا نص صحيح من رواية البرقاني في صحيحه قال (حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) يلحق بالمشركين هل هو من جهة ترك بلاد المسلمين والذهاب إلى أرض المشركين؟ أم يلحقوا بالمشركين في الصفات والخصال؟ يحتمل هذا وهذا (حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) يعني من جهة ترك بلاد الإسلام والذهاب إلى بلاد المشركين رضى بهم وبدينهم، أو (حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) من جهة الصفات فيشركون كما أشرك المشركون ويَرتدون على أدبارهم.
قال (حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) الفئام هي الجماعات الكبيرة، قال (حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) وهذا ظاهر المناسبة للباب في قول الشيخ رحمه الله في الباب (باب أن ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان) .
إلى أن قال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي عَلَى الْحَقّ منصورة. لاَ يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ. حَتّىَ يَأْتِيَ أَمْرُ اللّهِ تبارك وتعالى) (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي عَلَى الْحَقّ منصورة) هذه الطائفة المنصورة هي التي قال فيها عليه الصلاة والسلام في حديث آخر «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقّ» ، وهي التي قال فيها عليه الصلاة والسلام «وَسَتَفْتَرِقُ هذه الأمَّة عَلَى ثلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. كُلّهَا فِي النّارِ, إِلاّ وَاحِدَةً. وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» فالطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية وهي الجماعة بجمع أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وسميت منصورة لأن الله جل وعلا نصرها على من ناوأها