(لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) حصل هذا في تلك الأمة وما دام أنه حصل فإنه سيحصل في هذه الأمة؛ لأنه ما من خصلة من الشرك حصلت في الأمم قبلنا إلا وحصلت في هذه الأمة حتى ادعى بعض هذه الأمة هو الله جل وعلا وأن الله يحل فيه ونحو ذلك؛ بل قد ادعوا أن روح الإله تتناسخ في أناس معينين كما هو اعتقاد طوائف من الباطنيين ونحو ذلك.
وهذا كما قال عليه الصلاة والسلام (لَتتّبِعُنّ سَنَنَ من كان قبلَكم حَذْوَ القذة بالقذة, حتّى لو دَخَلوا جُحرَ) وهذا الحديث وهو حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , قال (لَتتّبِعُنّ سَنَنَ من كان قبلَكم) قوله (سَنَن) هذه تروى هكذا (سَنَن) بفتحتين فتح السين والنون.
وتروى أيضا (سُنَن) ، والسُنن سُنّة وهي الطريقة؛ يعني كأنه قال لَتتّبِعُنّ سُنن من كان قبلكم يعني طرائق من كان قبلكم يعني في الدين.
وعلى الضبط الآخر الذي أقرأ به (لَتتّبِعُنّ سَنَنَ من كان قبلَكم) السَّنَن مفرد وهو السبيل والطريق يعني لتتبعن سبيل من كان قبلكم.
واللام في قوله (لَتتّبِعُنّ) هي الواقعة في جواب القسم، نفهم من وجود اللام أنّ النبي عليه الصلاة والسلام أقسم على ذلك؛ فقال مؤكدا والله لتتبعن سَنن من كان قبلكم؛ لأن اللام هذه واقعة في جواب القسم، فإذا رأيت اللام هذه المفتوحة فهي الواقعة في جواب القسم؛ بل أقسم عليه والقسم محذوف واللام واقعة في جوابه، لم أقسم عليه الصلاة والسلام؟ ليؤكد هذا الأمر تأكيدا عظيما بأن هذه الأمة ستتبع طريقة وسبيل من كان قبلها من الأمم، وهذا تحذير لأن الأمم السالفة إما أن تكون من أهل الكتاب -اليهود والنصارى-، وهؤلاء قد وصفهم الله جل وعلا بأنهم مغضوب عليهم وضالون، فإذا اُتخذت سبيلهم سبيلا في هذه الأمة معنى ذلك أن هذه الأمة تعرضت للغضب واللعنة، وهذا حصل في هذه الأمة فإن منهم من سلك سبيل اليهود ومنهم من سلك سبيل [1] النصارى، ولهذا قال بعض السلف: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود ومن فسد من عُبادنا فيه شبه من النصارى. لأن اليهود خالفوا على علم، والنصارى خالفت على ضلالة، وقد قال جل وعلا {غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِينَ} [الفاتحة:7] ، والمغضوب عليهم هم اليهود والضالون هم النصارى كما فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال (حذو القذة بالقذة) يعني من التساوي، القذة والقذة تكون في السهم، وتكون هذه مساوية لتلك لا تفرق بين واحدة والأخرى، فإذا نظرت في هذه ونظرت في هذه وجدت أنهما متماثلان وجدت أن هذه وهذه متماثلتان لا فرق بينهما، وهذا هو الواقع فإن في هذه الأمة وقع التماثل، ففي هذه الأمة حصل ممثل ما حصل من الأمم قبلنا في أبواب الربوبية وفي أبواب الألوهية وفي الأسماء والصفات وكذلك في العمل وكذلك في السلوك وكذلك في أفعال الله جل وعلا، فكل شيء كان فيمن قبلنا وقع في هذه الأمة نسأل الله جل وعلا السلامة.
(1) انتهى الوجه الأول من الشريط التاسع.