وهذه الحالة التي هي حال المسددين هي التي وصف الله جل وعلا أهلها بقوله {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] ، ونحوُه قوله جل وعلا في سورة الإسراء {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] ، وهذا ظاهر من ذلك.
فالشيخ رحمه الله عقد هذا الباب لبيان وجوب أن يجتمع الخوف والرجاء في القلب، كما ذكرنا لك بالأمس هذه أبواب متتالية لبيان حالات القلب والعبادات القلبية وأحكام ذلك.
قال (وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الكبائر؟ فقال: «الشّرك بالله، واليأسُ من رَوح الله، والأمنُ من مكر الله» ) وجه الشاهد من ذلك أنه جعل اليأس من روح الله -وهو عدم الرجاء؛ ذهاب الرجاء من القلب وعدم أو ترك الإتيان بعبادة الرجاء- جعله من الكبائر، وجعل الأمن من مكر الله -وهو ذهاب الخوف من الله جل وعلا- من الكبائر، وهي كبائر في القلب، وهي كبائر من جهة أعمال القلوب.
واجتماعهما جميعا بأن لا يكون عنده رجاء ولا خوف فهذه كبيرة أعظم من ترك الخوف وحده من الله أو ترك الرجاء وحده من الله جل وعلا، ولهذا قرن بينهما في هذا الحديث حيث قال (سئل عن الكبائر؟ فقال: «الشّرك بالله، واليأسُ من رَوح الله، والأمنُ من مكر الله» ) وبهذا يتبين لك الفرق بين اليأس والأمن, اليأس من روح الله أو القنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، من أن اليأس راجع إلى ترك عبادة الرجاء، والأمن من مكر الله راجع إلى ترك عبادة الخوف واجتماعهما واجب من الواجبات، وذهابهما أو الانتقاص منهما نقص في كمال توحيد من قام ذلك بقلبه.
قال (وعن ابن مسعود، قال: «أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من رَوْح الله» ) فيها ما في الحديث قبله لكن هنا فصّل في القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، فجعل القنوط من رحمة الله شيئا وجعل اليأس من روح الله شيئا آخر، وهذا باعتبار بعض الصفات لا باعتبار أصل المعنى، فإن القنوط من الرحمة واليأس من الروح بمعنى واحد؛ لكن يختلفان من حيث ما يتناوله هذا ويتناوله هذا، فالقنوط من رحمة الله عام لأن الرحمة أعم من الروح، والرحمة تشمل جلب النعم ودفع النقم، وروح الله جل وعلا يطلق في الغالب في الخلاص من المصائب، فقوله (القنوط من رحمة الله) هذا أعم ولهذا قدّمه، فيكون ما بعده من عطف الخاص على العام، أو أن يكون هناك ترادف في أصل المعنى واختلاف في الصفات، أو بعض ما يتعلق باللفظ.
لهذا نقول: هذا الحديث مع الحديث قبله مع الآيتين دلالتهما على ما أراد الشيخ من عقد هذا الباب واحدة، ودلالة الجميع أنّ الخوف والرجاء واجب اجتماعهما في القلب وإفراد الله جل وعلا بهما، والمقصود خوف العبادة ورجاء العبادة.
وقول الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٍ} [التغابن:11] ، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلّم.