فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 260

وحقيقة مكر الله جل وعلا ومعنى هذه الصفة أن الله جل وعلا أنه يستدرج العبد ويُملي له حتى إذا أخذه لم يفلته، ييسر له الأمور حتى يظن أنه في مأمن غاية الأمن، فيكون ذلك استدراجا في حقه فقال النبي عليه الصلاة والسلام «إذا رأيتم الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فاعلموا أن ذلك استدراج» وهذا ظاهر من معنى المكر لأن في معنى المكر والكيد وأمثالهما معنى الاستدراج، لا ترادف في اللغة، بل هناك فروق بين المكر والاستدراج، والكيد والاستدراج، ونحو ذلك؛ لكن نقول هذا من جهة التقريب، فالمكر فيه استدراج وفيه زيادة أيضا على الاستدراج حتى يكون قلب ذلك المستدرج آمنا من كل جهة.

قال (وقوله: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56] ) هذا فيه أنّ صفة الضالين أنهم يقنطون من رحمة الله جل وعلا، ومعنى ذلك بالمفهوم أنّ صفة المتقين وصفة المهتدين أنهم لا يقنطون من رحمة الله؛ بل يرجون رحمة الله جل وعلا.

والجمع بين الخوف والرجاء واجب شرعا، فإن الخوف عبادة والرجاء عبادة، واجتماعهما في القلب واجب، فلا بد أن يكون هذا وهذا جميعا في القلب حتى تصح العبادة.

ومن هنا اختلف العلماء أي الخوف أو الرجاء يغلب، هل يغلب العبد جانب الرجاء أو يغلب جانب الخوف؟

والتحقيق أن الحالة تختلف، فإذا كان العبد في حالة الصحة والسلامة فإنه إما أن يكون مسددا مسارعا في الخيرات فهذا يتساوى -يعني يجب أن يتساوى- في قلبه الخوف والرجاء يخاف ويرجو لأنه من المسارعين في الخيرات.

وإذا كان في حال الصحة والسلامة وعدم دنو الموت من أهل العصيان فالواجب عليه أن يغلِّب جانب الخوف حتى ينكفّ على المعصية.

وأما إذا كان في حال المرض -وهي الحال الثانية- فإنه مرض المخوف فإنه يجب عليه أن يعظم جانب الرجاء على الخوف فيقوم في قلبه الرجاء و الخوف؛ لكن يكون رجاءه أعظم من خوفه وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام «لا يمت أحدكم إلا وهو يحسّن الظن بربه تعالى» وذلك من جهة رجائه في الله جل جلاله.

ومن هنا اختلفت كلمات أهل العلم:

· فتجد أن بعضهم يقول يجب أن يتساوى الخوف والرجاء.

· وبعض السلف يغلّب جانب الخوف على جانب الرجاء.

· وبعض السلف يقول يغلّب جانب الرجاء على جانب الخوف.

وهي أقوال متباينة ظاهرا لكنها متفقة في الحقيقة؛ لأن كل قول منها يرجع إلى حالة مما ذكرنا.

· فمن قال يغلّب جانب الخوف على الرجاء فهو في حق الصحيح العاصي.

· ومن قال يغلب الرجاء على الخوف فهو في حق المريض الذي يخاف الهلاك أو من يخاف الموت.

· ومن قال يساوى بين الخوف والرجاء فنظر إلى حال المسددين المسارعين في الخيرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت