فهرس الكتاب

الصفحة 251 من 260

ولهذا فرق أهل العلم بين شرك الطاعة وشرك العبادة، مع أن العبادة مستلزمة للطاعة، والطاعة مستلزمة أيضا للعبادة؛ لكن ليس في كل درجاتها.

قال (وله سند صحيح عن مجاهد، في قوله: {لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً} [الأعراف:189] ) يعني في الآية قبلها {لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الأعراف:189] ، (قال: أشفقا أن لا يكون إنساناً) يعني خافا أن يكون له كما قال الشيطان له قرنا أيّل أو خلقته مختلفة أو يخرج حيوانا أو قردا أو نحو ذلك، فقال (لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَالِحاً) يعني ولدا صالحا سليما من الآفات، سليما من الخلقة المشينة، فوعد أن يكون من الشاكرين فلما آتاهما صالحا عبّد ذلك للحارث خوفا من أن يكون الشيطان يتسلط عليه بالموت أو الإهلاك أخذتهما شفقة الوالد على الولد، فكان ذلك خلاف شكر تلك النعمة؛ لأن من شكر نعمة الولد أن يعبَّد الولد لله الذي أنعم به وأعطاه وتفضَّل به. نعم

باب قول الله تعالى:{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}الآية[الأعراف:180]

ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} [الأعراف:180] : يشركون.

وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. وعن الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها.

[الشرح]

(باب قول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف:180] ) هذا الباب في وجوب تعظيم أسماء الله الحسنى، وأن من تعظيمها أن لا يُلحد فيها وأن يدعى الله جل وعلا بها.

والأسماء الحسنى هي الحسنة البالغة في الحسن نهايته، فالخلق يتسمون بأسماء لكن قد لا تكون حسنة أو قد تكون حسنة ولكن ليست بالغة في الحسن نهايته؛ لأن الحُسن في الأسماء يكون راجعا إلى أنّ الصفة التي اشتمل عليها ذلك الاسم تكون حقا فيمن تسمى بها، ويكون قد بلغ نهاية ذلك الوصف، والإنسان لو تسمى باسم فيه معنى فإنه لا يُنظر فيه إلى أن المعنى قد اشتملت عليه خصاله، فيسمى صالحا وقد لا يكون صالحا، ويسمى خالدا وقد لا يكون خالدا، ويسمى محمدا وقد لا يكون كثير خصال الحمد، وهكذا فإن الإنسان قد يسمى بأسماء لكن قد تكون في حقه حسنى.

والله جل وعلا له الأسماء الحسنى البالغة في الحسن نهايته، وهي الأسماء المشتملة على الصفات صفات الكمال والجلال والجمال والقدرة والعزة والجبروت وغير ذلك، وله من كل اسم مشتمل على صفة أعلى وأعظم الصفة والمعنى الذي اشتملت عليه الصفة، والناس وأهل العلم إذا فسروا الأسماء الحسنى فإنما تقريب ليدلوا الناس على أصل المعنى، أما المعنى بكماله فإنه لا يعلمه أحد إلا الله جل جلاله، ولهذا [1] [قال عليه الصلاة والسلام في دعائه: «لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» .

فالناس حين يفسرون أسماء الله جل وعلا فإنهم يفسرون ذلك بما يُقَرِّب إلى الأفهام المعنى، أما حقيقة المعنى على كماله فإنهم لا يعونه؛ لأن ذلك من الغيب، وكذلك الكيفية فإنهم لا يعونها؛ لأن ذلك من الغيب.

فالله جل وعلا له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، ومن الأسماء ما لا يكون حسنا] [2] إلا بقيد مثل الصانع والمتكلم والمريد والفعال أو الفاعل ونحو ذلك، فهذه الأسماء ولا تكون كمالا إلا بقيد:

في أن يكون متكلما بما شاء إذا شاء، بما تقتضيه الحكمة وتمام العدل، فهذا يكون محمودا، ولهذا ليس من أسماء الله المتكلم.

كذلك الصانع قد يصنع خيرا، وقد يصنع غير ذلك، والله جل وعلا ليس من أسمائه الحسنى الصانع لاشتماله على هذا وهذا، فإذا أطلق من جهة الخبر فيعني به ما يقيد بالمعنى الذي فيه كمال.

كذلك فاعل أو فعّال، فإن الفعال قد يفعل أشياء لا توافق الحكمة، وقد يفعل أشياء لا يريدها؛ بل مجبر عليها، والكمال أن يفعل ما يريد ولا يكون مجبرا لكمال عزته وقهره، ولهذا قال الله جل وعلا عن نفسه {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [3] ، لأن تقييد كونه فعالا لما يريد هذا هو الكمال.

فيه أشياء كثيرة من ذلك معروفة في مباحث الأسماء والصفات.

وأسماء الله الحسنى تنقسم باعتبارات من جهة المعنى.

قال طائفة من أهل العلم:

إن منها أسماء الجمال: وأسماء الجمال لله جل جلاله هي الأسماء المشتملة على حسن في الذات أو حسن في المعنى وبِرٍّ بالعباد والمخلوقين، فيكون من أسماء الجمال صفات الذات، واسم الله الجميل، ويكون من أسماء الجمال البر والرحيم والودود ونحو ذلك والمحسن وما أشبه ذلك.

ومن أسماء الله ما هو من الجلال: يقال هذه أسماء الجلال، وأسماء الجلال لله هي التي فيها ما يدل على جلال الله، وهو عظمته وعزته جل وعلا وجلاله حتى يجل مثل القهار والجبار والقدير والعزيز ونحو ذلك والمقيت وأشباه هذه الأسماء فهذه أسماء الجلال.

وهناك أسماء في تقسيمات مختلفة تُطلب من كلام ابن القيم رحمه الله أو من كلام الشراح.

(1) انتهى الوجه الأول للشريط الرابع عشر.

(2) سقط من الأشرطة، وقد نقلته عن تفريغ جامع ابن تيمية.

(3) هود:107، البروج:16.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت