· وإما أن يبتغوا بالمتشابه التأويل.
والواجب أن يردّ المتشابه على المحكم، فنعلم أن الشريعة تصدق بعضها بعضا وأن التوحيد بعضه يدل على بعض، كالقاعدة المعروفة في الصفات التي ذكرها عدد من الأئمة كالخطابي وشيخ الإسلام في التدمرية: أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، وأن القول في الصفات كالقول في الذات يحتذى في حذوه وينهج فيه على منواله.
قال (ولما سمعت قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الرحمن، أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: {وَهُمْ يَكْفُرُونُ بِالرَّحْمَن} [الرعد:30] ) فإنكار الصفة أو إنكار الاسم بمعنى عدم التصديق بذلك هذا جحد، وهذا يختلف عن التأويل، فالتأويل والإلحاد له مراتب يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.
قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي.
وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان، لم يكن كذا.
وقال ابن قتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا.
وقال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: «أن الله تعالى قال: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ... » الحديث، وقد تقدم-: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به.
قال بعض السلف: هو كقولهم كانت الريح طيبة والملاّح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير.
[الشرح]
هذا الباب من الأبواب العظيمة في هذا الكتاب خاصة في هذا الزمن لشدة الحاجة إليه، وترجمه المصنف رفع الله مقامه في الجنة بقوله (باب قول الله تعالى {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] ) فوصف الكفر في سورة النحل -التي تسمى سورة النِّعم- وصفهم بأنهم (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) ، وإنكار النِّعمة بأن تنسب لغير الله، إنكارها بأشياء، ومن ذلك أن تُنسب إلى غير الله وأن يجعل المنفصل في النعمة غير الذي أسداها هو الله جل جلاله.
فالواجب على العبد أن يعلم: أن كل النعم من الله جل وعلا، وأن كمال التوحيد لا يكون إلا بإضافة كل نعمة إلى الله جل وعلا، وأن إضافة النعم إلى غير الله نقص في كمال التوحيد ونوع شرك بالله جل وعلا.
ولهذا تكون مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أن ثمة ألفاظا يستعملها كثير من الناس في مقابلة النعم، أو في مقابلة اندفاع النقم، فيكون ذلك القول منهم نوع شرك بالله جل وعلا؛ بل شرك أصغر بالله جل وعلا.
فنبه الشيخ رحمه الله بهذا الباب على ما ينافي كمال التوحيد من الألفاظ، وأن نسبة النعم إلى الله جل وعلا واجبة.
قال (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) ، أخذ بعض أهل العلم من هذه الآية أنّ لفظ المعرفة إنما يأتي في الذم، وأن النافع هو العلم، وأن المعرفة تستعمل في القرآن وفي السنة غالبا في ما يذم من أخذ المعلومات، كقول الله جل وعلا {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [الأنعام:20] ، قوله في هذه الآية (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا) .
وهذا من جهة الأكثرية، وإلا فقد ورد أن المعرفة بمعنى العلم كما جاء في صحيح مسلم في حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن قال له «إنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أن يعرفوا الله فإن هم عرفوا الله» فهذا يدل أن بعض من روى الحديث من التابعين جعل معنى العلم بالمعرفة وهم حجة في هذا المقام، فيدل على أن استعمال المعرفة بمعنى العلم لا بأس به.
هذا الباب معقود لألفاظ يكون استعمالها من الشرك أصغر؛ ذلك أن فيها إضافة النعمة لغير الله، والله جل وعلا قال {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِن اللَّهِ} [النحل:53] ، وهذا نص صريح في العموم بأن مجيء النكرة في سياق النفي يدل على الظهور في العموم، فإنْ سُبقت النكرة بـ (مِنْ) حرف جر -الذي هو شبيه بالزائد- فيكون العموم نصا فيه، والتنصيص في العموم بمعنى أنه لا يَخرج شيء من أفراده، فدلت الآية على أنه لا يخرج شيء من النعم أيا كان ذلك الشيء -صغيرا كان أو كبيرا عظيما جليلا أو حقيرا وضيعا- لا يكون إلا من الله جل وعلا، فكل النعم صغرت أو عظمت هي من الله جل وعلا وحده، وأما العباد فإنما هم أسباب تأتي النعم على أيديهم، يأتي واحد ويكون سببا في إيصال النعمة إليه، أو يكون سببا في معالجتك، أو سببا في تعيينك، أو سببا في نجاحك، أو نحو ذلك، لا يدل على أنه هو ولي النعمة وهو الذي أنعم، فإن ولي النعمة هو الرب جل وعلا، وهذا من كمال التوحيد، فإن القلب الموحد يعلم أنه ما ثَم شيئا في هذا الملكوت إلا والله جل وعلا هو الذي يفتحه وهو الذي يغلق ما شاء، كما قال سبحانه {مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ} [فاطر:2] ، فكل النعم من الله جل وعلا والعباد أسباب في ذلك.
فالواجب -إذن- أن تنسب النعمة إلى المسدي لا على السبب لأن السبب لو أراد الله جل وعلا لأبطل كونه سببا، وهذا السبب إذا كان آدميا فقلبه بين أصبعين من أصابع الله جل وعلا لو شاء لأصدق عن أن يكون سببا أو أن ينفعك بشيء، فالله جل وعلا هو ولي النعمة.
قد قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ما من أحد تعلق بمخلوق إلا وخذل. ما من أحد تعلق بمخلوق في حصول شيء له واندفاع مكروه عنه إلا خذل، وهذا في غالب المسلمين، وذلك لأن الواجب على المسلم أن يعلِّق قلبه بالله وأن يعلم أن النعم إنما هي من عند الله، والعباد أسباب يسخرهم الله جل وجلاله، وهذا هو حقيقة التوحيد ومعرفة تصرف الله جل وعلا في ملكوته.
قال (قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي.) هذا القول (مالي ورثته عن آبائي) منافي لكمال التوحيد ونوع شرك؛ لأنه نَسَب هذا المال إليه ونسبه إلى آبائه، وفي الواقع أن هذا المال أندم الله به على آبائه ثم أنعم الله به على هذا المؤمن إذْ جعل الله القسمة -قسمة الميراث- تصل إليه، وهذا كله من فضل الله جل