فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 260

سمعوا في الكتاب أو السنة شيئا لا تعقله عقولهم هلكوا عنده وخافوا وفَرَقُوا وأوَّلوا ونفوا أو جحدوا، وهذا من أسباب الظلال.

وهنا استعمل ابن عباس رحمه الله و - رضي الله عنه - استعمل كلمة (المحكم) وكلمة (المتشابه) يريد بها هنا:

المحكم الذي يُعلم؛ يعلمه سامعه.

والمتشابه الذي يشبه علمه على سامعه.

والقرآن والعلم جميعا والشريعة كلها محكمة، وكلها متشابهة، ومنها محكم ومنها متشابه، فهذه ثلاثة أقسام:

فالأول المحكم: كما قال جل وعلا {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ} [هود:1 - 2] ، فالقرآن كله محكم، بمعنى أن معناه واضح وأن الله جل وعلا أحكم فلا اختلاف فيه إلا بتباين، وإنما بعضه يصدق بعضا كما قال جل وعلا {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82] .

والقرآن والشريعة أيضا متشابه كله: بمعنى أن بعضه يشبه بعضا فهذا الحكم وهذه المسألة تشبه تلك لأنها تسري معها في قاعدة واحدة، فنصوص الشريعة يصدق بعضها بعضا ويؤول بعضها إلى بعض، وقد قال جل وعلا {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} [الزمر:23] ، قال (كِتَابًا مُتَشَابِهًا) فالقرآن متشابه؛ يعني بعضه يشبه بعضا، هذا خبر في الجنة وهذا خير الجنة، وبعض الأخبار يفصِّل بعضا, هذه قصة وهذه قصة, هذه تصدق وهذه وتزيدها تفصيلا، وهكذا في كل ما في القرآن.

والقرآن أيضا والشريعة والعلم منه محكم ومنه متشابه باعتبار ثالث: فالمحكم والمتشابه هنا هو الذي جاء في آية آل عمران {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران:7] ، منه محكم وهو الذي أتضح لك علمه، ومنه متشابه وهو الذي اشتبه عليك علمه، وبهذا نعلم بأن ليس عندنا في عقيدة أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح ليس عندهم شيئا من المتشابه المطلق الذي لا يعلمه أحد، بمعنى أن ثمة مسألة من مسائل التوحيد أومن مسائل العمل يشتبه علمها على كل الأمة، هذا لا يوجد بل ربما اشتبه على بعض الناس وبعضهم يعلم المعنى، كما قال جل وعلا {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران:7] على أحدي وجهي الوقف.

فهذا المتشابه الموجود الذي هو قسيم للمحكم هذا يشتبه على بعض الناس، فإذا اشتبه عليك علم شيء من التوحيد أو من الشريعة فإن الواجب أن لا تفرق عنده وأن لا تخاف، وأن لا تتهم الشرع أو يقع في قلبك شيء من الزيغ لأن الذين يتبعون المتشابه بمعنى لا يؤمنون به فإن هؤلاء هم الذين في قلوبهم زيغ، وهذا هو الذي عناه ابن عباس - رضي الله عنه - حين قال (يجدون رقة عند محكمة ويهلكون عند متشابهه) يريد به هذا الوجه من أن الذين يهلكون عند المتشابه هم أهل الزيغ الذين قال الله جل وعلا فيهم {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران:7] ، فأهل الزيغ يستعملون في المتشابه هاتين الطريقتين:

· إما أن يبتغوا بالمتشابه الفتنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت