فهرس الكتاب

الصفحة 226 من 260

الصفات، وذكر بعض الصفات لله جل وعلا فإنها لا تناسب كل أحد، حتى إنّ بعض المتجهين إلى العلم قد لا تطرح عليهم بعض المسائل الدقيقة في الأسماء والصفات؛ ولكن يؤمرون بالإيمان بذلك إجمالا، والإيمان بالمعروف والمعلوم المشتهر في الكتاب و السنة، أما دقائق البحث في الأسماء والصفات فإنما هي للخاصة ولا تناسب العامة ولا تناسب المبتدئين في طلب العلم؛ لأن منها ما يشكل ومنها ما قد يؤول بقائله إلى أن يكذب الله ورسوله كما قال هنا علي - رضي الله عنه - (حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله) .

فمناسبة هذا الأثر بهذا الباب أن من أسباب جحد الأسماء والصفات أن يحدث المرء الناس بما لا يعقلونه من الأسماء والصفات، الناس عندهم إيمان إجمالي بالأسماء والصفات يصح معه توحيدهم وإيمانهم وإسلامهم، فالدخول في تفاصيل ذلك غير مناسب، إلا إذا كان المخلص يعقل ذلك ويعيه، وهذا ليست بحالة أكثر الناس.

ولهذا الإمام مالك رحمه الله لما حُدِّث عنده بحديث الصورة فنهي المتحدث بذلك؛ لأن العامة لا يحسنون فهم مثل هذه المباحث، وهكذا في بعض المسائل في الأسماء و الصفات لا تناسب العامة، فقد يكون سبب الجحد أن حدثت من لا يعقل البحث فيؤول به ذلك -وهو أن البحث فوق عقله، وفوق مستواه، وفوق ما تقدمه من العلم- أن يؤدى به ذلك إلى أن يجحد شيئا من العلم بالله جل وعلا، أو أن يجحد شيئا من الأسماء و الصفات.

فالواجب على المسلم وخاصة طالب العلم أن لا يجعل الناس يكذبون شيئا مما قاله الله جل وعلا أو أخبر به رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ووسيلة ذلك التكذيب أن يحدِّث الناس بما لا يعرفون، يحدث الناس بحديث لا يبلغه عقولهم، كما جاء في الحديث الآخر «ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا إذا كان لبعضهم فتنة» ، وقد بوب على ذلك البخاري في الصحيح في كتاب العلم لقوله: باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقفوا فيما أشد منه.

وهذا من الأمر المهم الذي ينبغي للمعلم وللمتحدث وللواعظ وللخطيب أن يعيه؛ في أن يحدث الناس بما يعرفون و أن يجعل تقوية التوحيد، وإكمال توحيدهم والزيادة في أيمانهم بما يعرفون لا بما ينكرون.

قال (وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: أنه رأى رجلا انتفض -لما سمع حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصفات, استنكارا لذلك- فقال: ما فَرَقُ هؤلاء؟ يجدون رقة عند محكمه, ويهلكون عند متشابهه) هذا لما لم يعرف هذه الصفة انتفض لأنه فهم من هذه الصفة المماثلة أو التشبيه فخاف من تلك الصفة، والواجب على المسلم أنه إذا سمع صفة من صفات الله -في كتاب الله أو في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يجريها مُجرى جميع الصفات، وهو أن إثبات الصفات لله جل وعلا إثبات بلا تكييف, إثبات بلا تمثيل, فإثباتنا للصفات على وجه تنزيه الله جل وعلا عن المكيل والنظير في صفاته وأسمائه، فله من كل اسم وصفة أعلى وأعظم ما يشتمل عليه من المعنى، ولهذا قال ابن عباس هنا (ما فرق هؤلاء؟) يعني ما سبب خوف هؤلاء, لماذا فَرَقُوا؛ خافوا من هذه الصفة ومن إثباتها؟ (يجدون رقة عند محكمه) يعني إذا خوطبوا بالمحكم الذي يعرفون، المحُكم هو ما يعلم والذي يعلم هو سامعه، هذا هو المحكم، (يجدون رقة عند محكمه) يعني إذا خوطبوا بما يعلمونه وجدوا في قلوبهم رقة لذلك، (ويهلَكون عند متشابهه) فإذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت