فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 260

فإذن هذا الحديث فيه بيان أن القبر يمكن أن يكون وثننا.

والخرافيون يقولون: القبور لا يمكن أن تكون أوثانا، والأوثان هي أوثان الجاهلية وأصنام الجاهلية.

ونقول: إنّ الجاهليين إذا كانوا تعلّقوا بأصنام وبأحجار وبأشجار وبغير ذلك من الأشياء، واعتقدوا فيها ووصلوا فيها إلى الشرك الأكبر، مع أن المبرر العقلي والمبرر النفسي غير قوي فيها، فلأن تتخذ قبور الصالحين والأنبياء والمرسلين أوثانا أو أن يتوجه إلى أصحابها بالعبادة ذلك من باب أولى؛ لأن تعلُّق القلوب بالصالحين أولى من تعلقها بالأحجار، تعلُّق القلوب بالأنبياء والمرسلين أولى من تعلقها بالجن أو تعلقها بالأشجار أو الأحجار أو نحو ذلك.

فإذن سبب الشرك ووسيلة الشرك في القبور أولى وأظهر من النظر في الأصنام ونحو ذلك؛ لأنها جميعا من جهة اعتقاد القلب وتأثير تلك الأصنام والأوثان في الحالين جميعا في الشفاعة عند الله، فأولئك المشركون يقولون في آلهتهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وقالوا أيضا {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18] .

وأهل العصر أو العصور التي فشا فيها الشرك إذا سألتهم يقولون: هذا توسل وهذا استشفاع. والحال واحدة، والسبيل الذي جعل تلك القبور أوثانا هو اتخاذ تلك مساجد و البناء عليها و الحث على مجيئها وذكر الكرامات التي تحصل عندها أو إجابة الدعوات عندها أو التبرك بها إلى غير ذلك.

قال (ولابن جرير بسنده، عن سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد قال في قوله: {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم:19] . قال: كان يلتُّ لهم السويق، فمات، فعكفوا على قبره. وكذا قال أبو الجوزاء، عن ابن عباسٍ: كان يلتُّ السويق للحاج) الشاهد قول مجاهد (مات فعكفوا على قبره) لأجل أنه رجل كان ينفعهم بِلَتّ السويق لهم على قراءة (أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى) ووجه المناسبة ظاهر من أن صلاح ذلك الرجل جعلهم يغلون في قبره فعكفوا على قبره، والعكوف على القبور يصيرها أوثانا، العكوف معناه لزوم القبر بتعظيمه واعتقاد البركة في لزومه والثواب والنفع ودفع الضُّر، هذا معنى العكوف.

قال (وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «لَعَنَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - زَائِرَاتِ الْقُبُورِ وَالمُتّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسّرُجَ» . رواه أهل السنن) وجه الدلالة من الحديث ظاهرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن المتخذين على القبور المساجد والسرج، المساجد مر معنى الكلام عليها، والسّرج لأنها وسيلة لتعظيم تلك القبور ونوع من أنواع الغلو فيها، فتُسرج القبور ويجعل عليها في الزمن الماضي القناديل، واليوم تجعل عليها الأنوار العظيمة التي تبين أن هذا المكان مقصود وأنه مطلوب ويُجعل عليها من عقود اللمبات وعقود الأنوار والكشافات التي تسطع ما يدلّ الناس على تعظيم هذا القبر، فهؤلاء ملعونون بلعنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يجوز أن تتخذ السرج على القبور؛ لأن اتخاذ السّرج على القبور من نوع الغلو فيها؛ ولأنه يوجه الناس إليها وذلك قد يكون بعده أن تتخذ آلهة وأوثانا مع الله جل وعلا. نعم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت