وقول الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِن تَوَلَّوا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [التوبة: 128 - 129] .
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً, وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً, وَصَلّوا عَلَيّ فإِنّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ» . رواه أبو داوود بإسناد حسنٍ ورواته ثقات
وعن علي بن الحسين - رضي الله عنه -، أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لا تتخذوا قَبْرِي عِيداً، ولا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً، وَصَلّوا عَلَيّ، فإن تسليمكم يبلغني أين كُنْتُمْ» . رواه في المختارة.
[الشرح]
هذا الباب من جنس الأبواب قبله في حماية النبي عليه الصلاة والسلام جناب التوحيد وفي سده كل طريق يوصل إلى الشرك، وأتى بآية براءة وقول الله تعالى (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ، قوله (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) يعني عزيز عليه عَنَتُكُم، عزيز عليه العنت؛ يعني أن تكونوا في عنت ومشقة هذا عزيز عليه لا يرغب فيه عليه الصلاة والسلام, (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) فهو عليه الصلاة والسلام عزيز عليه عنت أمته وهذا يؤدي أن يأمرهم بكل خير وأن ينهاهم عن كل شر، وأن يحمي حمى ما أمرهم به وما نهاهم عنه؛ لأن الناس إذا أقدموا على ما نُهوا عنه فإنهم أقدموا على مهلكتهم وأقدموا على ما فيه عنتهم في الدنيا وفي الأخرى، والنبي عليه الصلاة والسلام عزيز عليه عنتهم، عزيز عليه أن يقعوا في وبال عليهم وفي مشقة عليهم، ولهذا قال بعدها (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) لأن هذه وهذه متلازمة، ومن حرصه علينا عليه الصلاة والسلام ومن كونه يعز عليه عنتنا عليه الصلاة والسلام أنْ حَمى حِمى التوحيد وحمى جناب التوحيد وسد كل طريق قد نصل بها إلى الشرك عليه الصلاة والسلام، وهذا وجه الاستدلال من الآية على الباب.
وأما حديث أبي هريرة فوجه الشاهد منه (وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً) والعيد يكون عيدا مكانيا كما جاء هنا ويكون عيدا زمانيا، (لا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً) يعني مكانا تعودون إليه في وقت معلوم من السنة، أو في أوقات معلومة تعتادون المجيء إلى القبر، فإنّ هذا قد يوصل إلى أن يعظَّم النبي عليه الصلاة والسلام وأن يُجعل تعظيمه كتعظيم الله جل وعلا، فإن اتخاذ القبور عيدا من وسائل الشرك، ولهذا قال (وَصَلّوا عَلَيّ فإِنّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ) .
وكذلك حديث على بن الحسين في هذا المعنى أنه قال (ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «لا تتخذوا قَبْرِي عِيداً، ولا بُيُوتَكُمْ قُبُوراً» ) في معنى ما قبله، ونهى الرجل الذي كان يعتاد المجيء فرجة كانت عند القبر؛ لأن اعتياده أن يدعوا عند القبر هذا نوع غلو ونوع وسيلة من وسائل تعظيم القبور واتخاذها عيدا، وهذا من وسائل الشرك، فحمى النبي عليه الصلاة والسلام حمى التوحيد، وَحَمى جنابه وسد كل طريق توصل إلى الشرك، حتى في قبره عليه الصلاة والسلام.