فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 260

فيكون إذن الصحيح جواز إطلاق لفظ (مَوْلاَيَ) هنا (سَيّدِي, ومَوْلاَيَ) ونحو ذلك؛ لأن هنالك سيادة تناسب البشر، وقول (مَوْلاَيَ) هناك ما يناسب البشر من ذلك، فليست في مقام ربك أو عبدي وأمتي؛ لأن ذلك أعظم درجة وواضح أن فيها اختصاص العبودية بالله جل وعلا، وإطلاق ذلك على البشر لا يجوز.

قال (وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُم: عَبْدِي, وأَمَتِي, وَلْيَقُلْ: فَتَايَ, وفَتَاتِي, وغُلاَمِي) لأجل ما ذكرنا.

فتحصل من ذلك أن هذه الألفاظ -كما ذكرنا- يجب أن يُحترز فيها ما لا يكون معه الأدب مع مقام ربوبية الله جل وعلا وأسمائه سبحانه وتعالى.

وعليه فلا يكون جائزا أن يقول: عبدي وأمتي. أو أن يقول: أطع ربك وضئ ربك.

هذا كله مختص بالتعبير بالربوبية للمكلَّفين، أما إضافة الربوبية إلى غير المكلف فلا بأس بها؛ لأن حقيقة العبودية لا تتصور فيها، كأن تقول رب الدار ورب المنزل ورب المال ونحو ذلك، فإن الدار والمنزل والمال ليست بأشياء مكلَّفة بالأمر والنهي، فلهذا لا تنصرف الأذهان أو يذهب القلب إلى أن ثمة نوع من عبودية هذه الأشياء لمن أضيفت إليه؛ بل إن ذلك معروف بأنه إضافة ملك؛ لأنها ليست مخاطبة بالأمر والنهي وليست يحصل منها خضوع أو تذلل.

فإذن يقيدا النهي الوارد في ذلك بتعبير المكلف، أو يقال مكلف وضئ ربك أو أنا رب هذا الغلام، أو نحو ذلك من الألفاظ التي لا تناسب الأدب. نعم

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ سَأَلَ بالله فأَعْطُوهُ، مَنِ اسْتَعَاذَ بالله فأَعِيذُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُم فأَجِيبُوهُ, وَمَن صَنَعَ إِلَيْكُم مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ, فإِنْ لَم تَجِدُوا ما تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتّى تَرَوْا أَنّكُم قَدْ كَافأْتُموهُ» . رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.

[الشرح]

(باب لا يردّ من سأل بالله) هذا الباب مع الباب الذي قبله ومع ما سبق -كما ذكرنا- كلها في تعظيم الله جل وعلا وربوبيته وأسمائه وصفاته؛ لأن تعظيم ذلك من إكمال التوحيد ومن تحقيق التوحيد.

ومن سأل بالله جل جلاله فقد سأل بعظيم، ومن استعاذ بالله فقد استعاذ بعظيم؛ بل استعاذ بمن له هذا الملكوت وله تدبير الأمر بمن كل ما تراه وما لا تراه عبدٌ له جل وعلا، فكيف يرد من جعل مالك كل شيء وسيلة حتى تقبل سؤاله، ولهذا كان من -التعظيم الواجب- أن لا يرد أحد سأل بالله جل وعلا، فإذا سأل سؤالا وجعل الله جل وعلا هو الوسيلة فإنه لا يجوز أن يُرد تعظيما لله جل وعلا، والذي في قلبه تعظيم لله جل وعلا ينتفض إذا ذكر الله كما قال سبحانه {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال:2] بمجرد ذكر الله تجل القلوب لعلمهم بالله جل وعلا وما يستحق وعلمهم بتدبيره وملكوته وعظمة صفاته وأسمائه جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت