فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 260

فيها إساءة أدب مع ربوبيته الله جل وعلا على خلقه أو مع أسماء الله جل وعلا وصفاته، ولهذا عقد هذا الباب فقال (باب لا يقول عبدي وأمتي) العبودية عبودية البشر لله جل وعلا عبوديته حقيقية، وإذا قيل: هذا عبد الله. فهو عبد لله جل وعلا إما قهرا أو اختيارا فكل من في السماوات والأرض عبد لله جل وعلا كما قال {إِنَّ كُلَّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ ءاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدا (93) فَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدَّا (94) وَكُلٌّ آتِيهِ يَوْمَ القِيَامَة فَرْدا} [مريم:93 - 95] فعبودية الخلق لله جل وعلا ظاهرة؛ لأنه هو الرب وهو المتصرف وهو سيد الخلق وهو المدبّر لشؤونهم، فالله جل وعلا هو المتفرد بذلك سبحانه.

فإذا قال الرجل لرقيقه: هذا عبدي، وهذه أمتي. كان في نسبة العبودية عبودية أولئك له، وهذا فيه منافاة لكمال الأدب الواجب مع الله جل وعلا، ولهذا كان هذا اللفظ غير جائز عند كثير من أهل العلم، ومكروه عند طوائف آخرين.

فإذن سبب النهي عن لفظ (عبدي وأمتي) ما ذكرنا من تعظيم الربوبية وعدم اهتضام عبودية الخلق لله جل وعلا.

قال (في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمُ: أَطْعِمْ رَبّكَ. وَضّئْ رَبّكَ. وَلْيَقُلْ: سَيّدِي, ومَوْلاَيَ, وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُم: عَبْدِي, وأَمَتِي, وَلْيَقُلْ: فَتَايَ, وفَتَاتِي, وغُلاَمِي» ) هذا النهي في هذا الحديث اختلف فيه أهل العلم على قولين:

الأول: أنه للتحريم؛ لأن النهي الأصل فيه للتحريم إلا إذا صرفه عن ذلك الأصل صارف.

وقال آخرون: النهي هنا للكراهة؛ وذلك لأنه من جهة الأدب؛ ولأنه جاء في القرآن من قول يوسف عليه السلام {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف:42] ؛ ولأن الربوبية هنا المقصود بما يناسب البشر، فرب الدار ورب العبد هو الذي يملك أمره في هذه الدنيا، فلهذا قالوا النهي للكراهة وليس للتحريم، مع ما جاء في بعض الأحاديث من جواز أو من تجويز إطلاق بعض الألفاظ.

قال (وَلْيَقُلْ: سَيّدِي, ومَوْلاَيَ) السيادة مع كون الله جل وعلا هو السيد؛ لكن السيادة للإضافة لا بأس بها؛ لأن للبشر سيادة تناسبه، (ومَوْلاَيَ) المولى يأتي على معانٍ كثيرة، وأن يخاطب البشر بقوله مولاي أجازه طائفة من أهل العلم بناء على هذا الحديث قال (وَلْيَقُلْ: سَيّدِي, ومَوْلاَيَ) ، وقد جاء في صحيح مسلم النهي عن أن يقول مولاي «لا تقولوا مولاي إنما مولاكم الله» أو نحو ذلك، [1] وهذا الحديث أعلّه بعض أهل العلم أنه يقول بالمعنى فهو شاذ من جهة اللفظ وهو معارض لهذا الحديث الذي هو نص في إجازة ذلك.

(1) جاء في صحيح مسلم بلفظ: كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها/ باب حكم إطلاق لفظة العبد والأمة والمولى: «وَلاَ يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيّدِهِ: مَوْلاَيَ فَإِنّ مَوْلاَكُمُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت