فإذن مجاوزة الحد في قبور الصالحين هي مجاوزةُ ما أمِر به أو نُهي عنه في القبور؛ لأن قبور الصالحين لا تختلف عن قبور غير الصالحين، فالغلو فيها:
-يكون بالكتابة عليها، يكون برفعها، يكون بالبناء عليها، يكون بأن تتخذ مساجد.
-يكون الغلو فيها -ذلك الذي سبق كله من جهة الوسائل؛ يكون الغلو في قبور الصالحين بأن يجعل القبر وسيلة من الوسائل التي تقرِّب إلى الله جل وعلا، ويجعل القبر أو من في القبر شفيعا لهم عند الله جل وعلا، يجعل القبر له حق أن يُنذر له، أو أن يُذبح له، أو أن يستشفع بترابه إعتقادا أنه وسيلة عند الله جل وعلا، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأكبر بالله تبارك وتعالى.
لهذا الغلو في قبور الصالحين يكون بمجاوزة ما أُذن فيها:
-من المجاوزة ما هو من الوسائل.
-ومن المجاوزة ما هو من إتخاذها أوثانا من دون الله جل وعلا.
ولهذا قال رحمه الله (باب ما جاء أنّ الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا) وقوله (يصيرها) يعني يجعلها؛ قد يكون جعل الوسائل للغايات يعني أن الغلو صار وسيلة لإتخاذها أوثانا، وقد يكون أن الغلو جعلها وثننا يعبد من دون الله جل وعلا.
وهذا هو الذي حصل ويرى في البلاء من أن القبور صارت أوثانا تعبد من دون الله لمّا أقيمت عليها المشاهد القباب ودعي الناس إليها وذُبح لها وقُبلت النذور لها وصار يطاف حولها ويعكف عندها، ونحو ذلك من أنواع الشرك الأكبر بالله.
قال (روى مالك في الموطأ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللّهُمّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ, اشْتَدّ غَضَبُ اللّهِ عَلَىَ قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) ، قوله (اللّهُمّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ) هذه استعاذة ودعاء لخوف أنْ يقع ذلك، ولو كان ذلك لا يقع أصلا ولا يمكن أن يقع لما دعا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك الدعاء العظيم؛ بل دعا أنْ لا يُجعل القبر وثنا يعبد كما جعلت قبور غيره من الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، فإن عددا من قبور الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام اتُّخذت أوثانا تُعبد. [1]
قال (اللّهُمّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ) معنى ذلك أنّ القبر يمكن أن يكون وثنا يُعبد، قال عليه الصلاة والسلام (اللّهُمّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَناً يُعْبَدُ) ، فالغاية أن يكون القبر وثنا يعبد، ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن لا يكون، والوسيلة إلى ذلك ما جاء بعد ذلك قال (اشْتَدّ غَضَبُ اللّهِ عَلَىَ قَوْمٍ اتّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) وهذا هو الغلو؛ غلو الوسائل، فاتخاذ قبور الأنبياء مساجد غلو من غلو الوسائل يصيِّر تلك القبور أوثانا، فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث جمع بين ذِكر الوسيلة والتنفير منها واشتداد غضب الله على من فعلها، وذكر نهاية ما تصل إليه بأصحابها تلك الوسيلة وهي أن تكون القبور أوثانا تعبد من دون الله جل وعلا.
(1) انتهى الشريط الثامن.