فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 260

وعلا ومن نعمته، والوالد سبب في إيصال المال إليك، ولهذا في قسمة الميراث لا يجوز للوالد أن يقسم الميراث أو لصاحب المال أن يقسم الميراث على ما يريد هو؛ لأن المال في الحقيقة ليس مالا له، كما قال جل وعلا {وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِي ءَاتَاكُمْ} [النور:33] ، فهو مال الله جل وعلا يقسمه كيف يشاء، إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم.

فالواجب على العبد أن يعلم أن ما وصله من المال أو وصله من النعمة عن طريق آبائهم هو من فضل الله جل وعلا ونعمته، ووالده أو والدته أو قريبه سبب من الأسباب، فيحمد الله جل وعلا على هذه النعمة، ويسأل الله جل وعلا ذلك السبب، ويقابل ذلك السبب بجزائه إما بدعاء وإما بغيره.

قال (وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان، لم يكن كذا) ، (لولا فلان) كقول القائل: لولا الطيار لذهبنا في هلكة، لولا السائق كان ماهرا لذهبنا في كذا وكذا، أو يقول: لولا أن الشيخ كان معلِّما وأفهمنا المسألة لما فهمناها أبدا، أو يقول: لولا المدير الفلاني لفُصِلْتُ، ونحو ذلك من الألفاظ التي فيها تعليق حصول الأمر بهذه الواسطة، والأمر إنما حصل بقضاء الله وبقدره وبفضل الله وبنعمته من حصول النعم أو اندفاع المكروه والنقم.

ولهذا الواجب على العبد أن يوحد فيقول: لو لا الله ثم فلان. فيجعل مرتبة فلان ثانية ولا يجعل مرتبة فلان هي الأولى أو الوحيدة؛ لأن الله جل وعلا هو المسدي بالنعم المتفضل بها.

(لولا فلان لم يكن كذا) هنا قال (فلان) من جهة كثرة الاستعمال، أما في الواقع فقد يأتي (لولا) في استعمالها بالناس أو يتعلق بالجمادات -بيت أو نحو ذلك بسيارة أو طيارة من جهة صناعتها-، أو التعلق ببقاع، أو التعلق بشيء من خلق الله؛ مطر، ماء، سحاب، هواء، ونحو ذلك، فنسبة النعمة إلى إنسان أو إلى بقعة أو إلى فعل فاعل أو إلى صنعة أو إلى مخلوق كل ذلك من نسبة النعم إلى غير الله، وهو نوع من أنواع الشرك في اللفظ، وهو من الشرك الأصغر بالله جل وعلا، كما سيأتي في الباب بعده إن شاء الله.

قال (قال ابن قتيبة: يقولون هذا بشفاعة آلهتنا) ، (هذا بشفاعة آلهتنا) يعني إذا حصلت لهم نعمة؛ جاءتهم أمطار، جاءهم المال، نجحوا في تجارتهم، إذا حصل لهم ذلك تذكروا أنهم توجهوا للأولياء، أو توجهوا للأنبياء، أو توجهوا للأصنام أو للأوثان، تذكروا أنهم قد توجهوا إليهم فصرفوا لهم شيئا من العبادة، فقالوا: الآلهة شفعت فلذلك جاءنا هذا الخير، فيتذكرون آلهتهم وينسوْن أن المتفضل بذلك هو الله جل وعلا وأن الله سبحانه لا يقبل شفاعة شركية من تلك الشفاعات التي يذكرونها.

قال (وقال أبو العباس -بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه وقد تقدم-: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم كانت الريح طيبة والملاّح حاذقاً، ونحو ذلك مما هو جارٍ على ألسنة كثير.)

وهذا باب ينبغي الاهتمام به وتنبيه الناس عليه؛ لأن نعم الله علينا في هذه البلاد؛ بل نعم الله على أهل الإيمان في كل مكان كثيرة لا حصر لها، ولهذا الواجب أن تنسب النعم إلى الله جل وعلا وأن يُذكر بها وأن يُشكر؛ لأن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت