وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «اثْنَتَانِ فِي النّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطّعْنُ فِي النّسَبِ وَالنّيَاحَةُ عَلَى الْمَيّتِ» .
ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: «لَيْسَ مِنّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ, وَشَقّ الْجُيُوبَ. وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ» .
وعن أنس - رضي الله عنه -، أن رسول الله قال: «إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ في الدّنْيَا, وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشّرّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتّى يُوَافى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إِنّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عظمِ الْبَلاَءِ, وَإِنّ الله إِذَا أَحَبّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ, فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى, وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السّخَطُ» حسنه الترمذي.
[الشرح]
(باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله) , الصبر من المقامات العظيمة والعبادات الجليلة التي تكون في القلب وفي اللسان وفي الجوارح، وحقيقة العبودية لا تثبت إلا بالصبر؛ لأن العبادة أمر ونهي وابتلاء, فالعبادة أمر شرعي أو نهي شرعي، هذا الدين أمر شرعي أو نهي شرعي أو أن يصيب العبد بمصيبة قدرية.
فحقيقة العبادة أن يمتثل الأمر الشرعي وأن يجتنب النهي الشرعي وأن يصبر على المصائب القدرية التي ابتلى الله جل وعلا العباد بها.
ولهذا الابتلاء حاصل بالدين، وحاصل بالأقدار، فبالدين كما قال جل وعلا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي الذي رواه مسلم عن عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «قال الله تعالى: إِنّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ» فحقيقة بعثة النبي عليه الصلاة والسلام الابتلاء، والابتلاء يجد معه الصبر، والابتلاء الحاصل ببعثته بالأوامر والنواهي.
إذن فالواجبات تحتاج إلى صبر، والمنهيات تحتاج إلى صبر، والمنهيات والأقدار الكونية تحتاج إلى صبر، والأقدار الكونية تحتاج إلى صبر.
ولهذا قال طائفة من أهل العلم: إن الصبر ثلاثة أقسام:
· صبر على الطاعة.
· وصبر على المعصية.
· وصبر على أقدار الله المؤلمة
ولما كان الصبر على المصائب قليلا ويظهر عدم الصبر أفرد الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب لبيان أنه من كمال التوحيد ومن الواجب على العبد أن يصبر على أقدار الله؛ لأن التسخط -تسخط العباد وعدم صبرهم- كثيرا ما يظهر في حال الابتلاء بالمصائب، فعقد هذا الباب لبيان أن الصبر واجب على أقدار الله المؤلمة، ونبه بذلك أن الصبر على الطاعة واجب وأن الصبر على المعصية واجب.
وحقيقة الصبر الحبس في اللغة ومنه قولهم: قد قُتل فلانا صبرا إذا حُبس أو رُبط وقتل دون مُبارزة ولا قتال.