ويقال للصبر الشرعي إنه صبر؛ لأن فيه الحبس وهو حبس اللسان عن التشكي، وحبس القلب عن السخط، وحبس الجوارح عن إظهار السخط من لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك، فحبس هذه الأشياء هو حقيقة الصبر.
فالصبر -إذن- حبس اللسان عن التشكي، وحبس القلب عن التسخط، وحبس الجوارح عن إظهار التسخط بشق أو نحو ذلك.
قال الإمام أحمد رحمه الله: ذُكر الصبر في القرآن في أكثر من تسعين موضعا، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد لأنّ من لا صبر له على الطاعة ولا صبر له عن المعصية ولا صبر له على أقدار الله المؤلمة فإنه يفوته أكثر الإيمان.
قال (باب من الإيمان بالله) يعني من خصال الإيمان بالله (الصبر على أقدار الله) ، والإيمان له شعب كما أن الكفر له شعب، فنبه بقوله أن (من الإيمان بالله الصبر) على أن من شعب الإيمان الصبر، ونبه في الحديث الذي ساقه عن صحيح مسلم أن النياحة من شعب الكفر، فيقابل كل شعبة من شعب الكفر شعبة من شعب الإيمان، فالنياحة على الميت شعبة من شعب الكفر يقابلها في شعب الإيمان الصبر على أقدار الله المؤلمة.
(وقول الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11] ، قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلّم.) هذا تفسير من علقمة -أحد التابعين- لهذه الآية، وهو تفسير ظاهر الصحة والصواب، وذلك أنّ قوله (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) إنما سيق في سياق ذكر ابتلاء الله بالمصائب فـ (مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) يعني يعظِّم الله جل وعلا ويمتثل أمره ويجتنب نهيه (يَهْدِ قَلْبَهُ) للصبر, (يَهْدِ قَلْبَهُ) لعدم التسخط, (يَهْدِ قَلْبَهُ) للعبادات، ولهذا قال (هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله) وهذا هو الإيمان بالله (فيرضى ويسلم) .
والمصائب من القدر، والقدر راجع إلى حكمة الله جل وعلا، والحكمة -حكمة الله جل وعلا- هي وضع الأمور في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها، فالحكمة بعامة مرتبطة بالغايات المحمودة من وضع الأمر في موضعه، فمن وضع الأمر في غير موضعه فقد ظلم، ومن وضع الأمر في موضعه عدل، وقد يكون غير حكيم عادل؛ ولكن غير حكيم، إذا وضع الأمر في موضعه الموافق للغاية المحمودة منه فذاك هو الحكيم، والله جل وعلا منفي عنه الظلم ومُثبت له كمال العدل سبحانه حيث يضع الأمور مواضعها، ومُثبَت له جل وعلا كمال الحكمة حيث إنّ وضعه الأمور في مواضعها موافق للغايات المحمودة منها، فنعمل بذلك أن المصيبة إذا أصابت العبد فإن الخير له فيها، إما أن يصبر فيؤجر، وإما أن يتسخط فيؤزر على ذلك، وهذا في حق الخاسرين، فالله جل وعلا له الحكمة من الابتلاء بالمصائب.
لهذا يجب على العبد أن يعلم أن ما جاء من عند الله هو قدر الله جل وعلا وقضاءه الموافق لحكمته فيجب الصبر على ذلك.