قال (يعلم أنها من عند الله) يعني أن الله هو الذي أتى بها، وهو الذي أذن بها قدرا وكونا (فيرضى ويسلم) ، والرضى بالمصيبة مستحب وليس بواجب، ولهذا يختلط على كثيرين الفرق بين الرضى والصبر.
وتحرير المقام في ذلك:
أن الصبر على المصائب واجب من الواجبات؛ لأن فيه ترك التسخط على قضاء الله وقدره.
والرضى هذا له جهتان:
(الجهة الأولى: راجعة إلى فعل الله جل وعلا، فيرضى بقدر الله الذي هو فعله، يرضى بفعل الله، يرضى بحكمة الله، يرضى بما قسم الله جل وعلا -يعني بقسمة الله-، هذا الرضى بفعل الله جل وعلا واجب من الواجبات، وتركه محرم ومنافي لكمال التوحيد.
(والرضى بالمقتضى الرضى بالمصيبة في نفسها هذا مستحب، ليس واجبا على العباد أن يرضوا بالمرض، أن يرضوا بفقد الولد، أن يرضوا بفقد المال؛ لكن هذا مستحب، وهو رتبة الخاصة من عباد الله.
ولكن الرضى بفعل الله جل وعلا الرضى بقضاء الله من حيث هو هذا واجب، أما الرضى بالمقتضى فإنه مستحب.
ولهذا قال علقمة هنا: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله، فيرضى-يعني على قضاء الله- ويسلم-لعلمه-أنها من عند الله جل جلاله. وهذا من خصال الإيمان
قال (وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: «اثْنَتَانِ فِي النّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ» ) يعني خصلتان من شعب الكفر قائمتان في الناس وستبقيان في الناس، (الطّعْنُ فِي النّسَبِ) من شعب الكفر، (وَالنّيَاحَةُ) من شعب الكفر.
وجه الشاهد من هذا الحديث قوله (وَالنّيَاحَةُ عَلَى الْمَيّتِ) ، والنياحة مخالفة للصبر، والصبر الواجب فيه حبس الجوارح من لطم الخدود وشق الجيوب -ونحو ذلك- وحبس اللسان عن التشكي والعويل وهذا هو النياحة، فالنياحة من شعب الكفر لأنها منافية للصبر، وكونها من شعب الكفر لا يدل أن من قامت به فهو كافر الكفر المطلق المخرج من الملة؛ بل يدل على أن من قامت به قامت به خصلة من خصال الكفار وشعبة من شعب الكفر، ولهذا قال هنا (اثْنَتَانِ فِي النّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ) فنكّر كلمة (كُفْرٌ) .
والقاعدة في فهم ألفاظ (الكفر) التي تأتي في الكتاب والسنة أن الكفر إذا أتى معرفا بالألف واللام فإن المراد به الكفر الأكبر، وإذا أتى الكفر منكّر كفر كلمة هكذا دون الألف واللام فإنه يدل على أن الخصلة تلك من شعب الكفر ومن خصال أهل الكفر وأن ذلك كفر أصغر،
كما قال عليه الصلاة والسلام «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم أعناق بعض» يعني لأن ذلك من خصال الكفار، ونحو ذلك قوله «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» هذا في الكفر الأصغر.