فهرس الكتاب
وأما الكفر المعرف بالألف واللام فالقاعدة التي حررها الأئمة كشيخ الإسلام وغيرِه أنه أتى فيراد به الكفر الأكبر كقوله عليه الصلاة والسلام «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» .
قال (ولهما عن ابن مسعود مرفوعاً: «لَيْسَ مِنّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ, وَشَقّ الْجُيُوبَ. وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ» ) يدل على أن من فعل هذه الأفعال فهو ليس من أهل الإيمان، وقد ذكرت لكم أن كلمة (لَيْسَ مِنّا) تدل أن الفعل من الكبائر، ولهذا نقول: ترك الصبر وإظهار التسخط كبير من الكبائر، والمعاصي تنقص الإيمان؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقص الإيمان قد ينقص كمال التوحيد؛ بل إن ترك الصبر مناف لكمال التوحيد الواجب. [1]
قال (وعن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ في الدّنْيَا, وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ الشّرّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتّى يُوَافى بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» ) هذا فيه بيان حكمة الله جل وعلا التي إذا استحضرها المصاب فإنه يعظم عنده الصبر ويتحلى بهذه العبادة القلبية العظيمة وهي ترك التسخط والرضى بفعل الله جل وعلا وقضائه؛ لأن العبد إذا أُريد به الخير فإن العقوبة تُجعّل له في هذه الدنيا؛ لأن رفع أثر العقوبة عن العبد يكون بعشْرة أشياء: ومنها أن تعجل له العقوبة في الدنيا، يعني يعاقب في الدنيا بمرض بفقد مال بمصيبة؛ لأن مخالفة أمر الله في ملكوته لا بد أن تقع له عقوبة إنْ لم يغفر الله جل وعلا ويتجاوز، فإذا كانت العقوبة في الدنيا فإنها أهون من أن تكون في البرزخ أو تكون يوم القيامة، ولهذا جاء في الحديث الآخر الذي رواه البخاري وغيره قال عليه الصلاة والسلام «من يرد الله به خيرا يُصِبْ منه» ، ولهذا كان بعض السلف يتهم نفسه إذا رأى أنه لم يصَب ببلاء أو لم يمرض ونحو ذلك، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحمى -مثلا- «لا تسبوا الحمى فو الذي نفسي بيده إنها لتنفي الذنوب على العبد كما ينفي الكير خبث الحديد» ففي المصائب نِعم، المصائب فيها نِعم على العبد، والله جل وعلا له الحكمة البالغة فيما يصلح عبده المؤمن.
قال (وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إِنّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عظمِ الْبَلاَءِ, وَإِنّ الله إِذَا أَحَبّ قَوْماً ابْتَلاَهُمْ, فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى, وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السّخَطُ» ) دل قوله (رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى) يعني الرضى من الله عليه على أن الرضى عبادة؛ لأن رضى الله عن العبد إذْ رضي عنه دال على أن ذلك الفعل محبوب له، وذلك دليل أنه من العبادات، وكذلك الجملة الثانية دليل على أن السخط محرم قال (وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السّخَطُ) يعني من الله جل وعلا.
وحقيقة السخط على الله جل وعلا أن يقوم في قلبه عدم محبة ذلك الشيء وكراهة ذلك الشيء وعدم الرضى به واتهام الحكمة فيه، فمن قامت به هذه الأشياء مجتمعة فقد سخط، يظهر أثر السخط على اللسان أو على الجوارح، يظهر السخط في القلب من جهة عدم الرضى بالأوامر، عدم الرضى بالنواهي، عدم الرضى بالشرع، فيتسخط الأمر، يتسخط النهي، يتسخط الشرع، فهذا كبيرة من الكبائر ولو امتثل ذلك، فإن تسخطه وعدم الرضى بذلك قلبا دليل على انتفاء كمال التوحيد في حقه، وقد يصل بالبعض إلى انتفاء التوحيد من أصله إذا لم يرضَ بأصل الشرع وسخِطَه بقلبه واتهم الشرع أو اتهم الله جل وعلا في حكمه الشرعي. نعم
(1) انتهى الشريط الحادي عشر.