فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 260

قد يكون الجبت سحرا، وهذا هو الذي فسَّرها كثير من السلف بأن الجبت السحر.

وقد يكون الجبت الكاهن.

وقد يكون الشيء المرذول الذي يضر صاحبه.

(يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) يعني يؤمنون بالسحر ويؤمنون بالباطل وعبادة غير الله جل وعلا، (يُؤْمِنُونَ ... بالطَّاغُوتِ) والطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فالطاغية هو الذي تجاوز الحد في أمر الدين بأن جعل ما لله له.

ولهذا يعرِّف ابن القيم رحمه الله الطاغوت بأنه: كل ما تجاوز به العبد حده، من معبود أو متبوع أو مطاع.

فإذا (تجاوز به العبد حده) ؛ يعني حد ذلك الشيء الذي توجهوا إليه -الذي أُذِن به شرعا له- تجاوزا الحد به, فتوجهوا إليه بالعبادة، اعتقدوا فيه بعض خصائص الإلهية من أنه يغيثهم كيف ما شاء، ومن أنه يملك غَوْثهم, ويملك الاستشفاع لهم، ويملك أن يغفر لهم، وأن يعطيهم، ويملك أن يقربهم إلى الله جل وعلا ونحو ذلك مما لا يملكه المعبودون، فإن ذلك مجاوزة بذلك عن الحد الذي جُعل له في الشرع، مجاوزة الحد في المعبودين أو المتبوعين، (ما تجاوز العبد حده من معبود أو متبوع) ، (أو متبوع) مثل العلماء أو القادة في أمر الدين، إذا تجاوز الناس بهم حدهم فصاروا يتبعونهم في كل ما قالوا وإن أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال أو جعلوا لهم السنة بدعة أو البدعة سنة وهم يعلمون أصل الدين ولكنهم خالفوا لأجل ما قال فلان فإن هذا قد تُجُوِّز به حدّه، فإن حد المتبوع في الدين أن يكون آمرا بما أمر به الشرع، ناهيا عن ما نهى عنه الشرع، فإذا أحل الحرام أو حرّم الحلال فإنه يُعتبر طاغوتا، ومن اتبعه فإنه يكون قد تجاوز به حده وقد أقرّ بأنه طاغوت واتخذه كذلك، (أو مطاع) يطاع كذلك من الأمراء والملوك والحكام والرؤساء الذين يأمرون بالحرام فيطاعون ويأمرون بتحريم الحلال فيطاعون في ذلك، مع علم المطيع بما أمر الله جل وعلا به، فهؤلاء اتخذوهم طواغيت لأنهم جاوزوا بهم حدهم.

قال (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) فيدخل في الطاغوت كل هذه الأنواع الذين عبدوا والذين اتبعوا والذين أطيعوا.

وجه المناسبة من هذه الآية للباب أنّ ذلك وهو الإيمان بالجبت والطاغوت حصل ووقع من الذين أوتوا نصيبا من الكتاب -من اليهود والنصارى-، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن ما وقع في الأمم قبلنا سيقع في هذه الأمة كما قال في حديث أبي سعيد الآتي (لَتتّبِعُنّ سَنَنَ من كان قبلَكم حَذْوَ القذة بالقذة, حتّى لو دَخَلوا جُحرَ ضَبّ لَدَخلتُموهُ) فمثل بشيء صغير وهو دخول جحر الضب الذي لا يمكن أن يُفعل تنبيها على أن ما هو أعلى من ذلك سيقع من هذه الأمة كما وقع من الأمم قبلنا.

قال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنْ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِن الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) وهذا حصل من هذه الأمة، فإن منهم من آمن بالسحر، ومنهم من آمن بعبادة غير الله, ومنهم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله, وتحريم ما أحل الله، فكانوا بذلك متبعين سنن من كان قبلهم, وحصل منهم إيمان بالجبت والطاغوت, كما حصل من الأمم قبلهم.

قال (وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَاغُوتَ} [المائدة: 60] ) وجه الشاهد من هذه الآية قوله جل وعلا (وَعَبَدَ الطَاغُوتَ) , على هذه القراءة (وَعَبَدَ الطَاغُوتَ) فإن (الطَاغُوتَ) مفعول (عَبَدَ) , و (عَبَدَ) تكون معطوفة على قوله (لَّعَنَ) ؛ (مَن لَّعَنَهُ اللهُ) إلى أن قال (وَعَبَدَ الطَاغُوتَ) , يعني كأنه قال بتقديم وتأخير: من لعنه الله ومن عبد الطاغوتَ, وعبادة الطاغوت وقعت في أولئك الملعونين, وبما أن ما وقع في الأمم السالفة بخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - سيقع في هذه الأمة فإننا نعلم أن في هذه الأمة من سيعبد الطاغوت كما عبدها أولئك، وعبادة الطاغوت عامة -كما ذكرنا- يدخل فيها عبادة الأوثان من عبادة القبور وتأليه أصحابها والتوسل بهم إلى الله جل وعلا؛ يعني الاستشفاع بهم إلى الله جل وعلا أو طلب الشفاعة منهم، ونحو ذلك من الوسائل الشركية أو ما هو من الشرك الأكبر، فحصلت عبادة للأوثان من القبور ومن المشاهد ومن الأشجار ومن الأحجار ونحو ذلك مما اعتقد فيه الجهلة الذين تركوا دين محمد عليه الصلاة والسلام.

قال (وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف:21] ) قصة أصحاب الكهف معروفة، وهذه الجملة بعض آية من قصة أصحاب الكهف، ولما حصل أنْ جعلهم الله جل وعلا آية {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنَينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف:25] ، ثم أحياهم الله جل وعلا واطلع الناس أنهم مكثوا أحياء هذه المدة الطويلة أنهم أماتهم الله ثم أحياهم اعتقدوا فيهم، ولما اعتقدوا فيهم وماتوا تنازعوا في أمرهم، فمنهم من قال افعلوا لهم كذا ابنوا عليهم بنيانا، ومنهم من قال اجعلوا لهم فناء ودارا وعظِّموا مكانهم، واختلف الناس فيهم في ذلك الزمان، قال الله جل وعلا (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) من الذين غلبوا على أمرهم؟ اختلف المفسرون في ذلك.

فقال قائلون: هم مُسْلِمُو ذلك الزمان حصل منهم تعظيم لأصحاب الكهف {فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا} [الكهف:21] ، وقالوا اتخذوا عليهم مسجدا تعظيما لهم ودِلالة للناس عليهم، فإذا كان هذا القول راجحا فإن من وسائل الشرك بالله ويؤدي إلى عبادة تلك القبور والاعتقاد في أصحاب الكهف، وهذا القدر حصل في هذه الأمة.

والقول الثاني: أن (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) هم المشركون؛ يعني أتباع ذلك الدِّين لاعتقادهم الجاهلي ولما في قلوبهم من الشرك والبدع التي خالفوا بها أنبيائهم قالوا ابنوا عليهم مسجدا كما قال جل وعلا هنا (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا) .

والقول الثالث وهو الذي رجحه ابن كثير رحمه الله أن (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ) هم الكبراء والأمراء وأصحاب النفوذ فيهم؛ يعني الذين كانت لهم الغلبة في الأمر، والذي له الغلبة في الأمر هو الذي يملك الأمر والنهي في الناس وهم الكبراء وأصحاب النفوذ وملوك ذلك الزمان وأمراء ذلك الزمان، فأولئك عظّموا أولئك الصالحين قالوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت