فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 260

إذا تقرر ذلك فهذا التفصيل أو هذا التقسيم مهم جدا في الحجة في القرآن وفي فهم الحجج التي يريدها أهل العلم؛ لأنه قد حصل من الخرافيين والداعين إلى الشرك أنهم يؤولون الآية التي في الدعاء بالمسألة، أو الآية التي في المسألة بالدعاء.

وإذا تبين لك ذلك يعني ما ذكرنا فإنه لا انفكاك في الحقيقة بين دعاء المسألة ودعاء العبادة، فهذا هو ذاك إما بالتضمن أو باللزوم، ومعلوم أن دلالة التضمن واللزوم دلالات لغوية واضحة جاءت في القرآن وجاءت في السنة.

ثم ساق الشيخ رحمه الله بعض الأدلة على أن الدعاء إنما يُتوجه به إلى الله وأنه الاستغاثة إنما يُتوجه بها إلى الله جل وعلا فيما لا يقدر عليه إلا الله.

قال ( {وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ(106) وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ [يُرِدْكَ] [1] بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَّشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 106 - 107] )

قال في أولها (وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ) ، (وَلاَ تَدْعُ) هذا نهي، والنهي توجه إلى الفعل (تَدْعُ) وإذا كان كذلك فإنه يعم أنواع الدعاء، وقد ذكرت لك أن الدعاء منه دعاء مسألة ومنه دعاء عبادة؛ لأن النكرة إذا جاءت في سياق النهي أو في سياق النفي أو في سياق الشرط فإنها تعمّ، و (تَدْعُ) نكرة لأنها فعل مشتمل على مصدر، والمصدر حدث نكرة، فإذن هذا يعم نوعي الدعاء وهذا مراد الشيخ أو أحد مراداته من الاستدلال بهذه الآية.

(وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ) يعني نهى الله جل وعلا أن يُتوجه لغير الله بدعاء المسألة أو بدعاء العبادة؛ يعني بالطلب أو بأي نوع من أنواع العبادات، فلا طلب يصلح فيما لا يقدر عليه إلا منه جل وعلا ويدخل في ذلك الاستعاذة ويدخل في ذلك الاستغاثة التي هي طلب الغوث.

كذلك دعاء العبادة بأنواعه من الصلاة والزكاة والتسبيح والتهليل والسجود وتلاوة القرآن لا تصلح إلا لله، كذلك الذبح النذر أنواع أعمال القلوب التوكل محبة العبادة ورجاء العبادة وخوف السر كلها أنواع العبادة من أنواع دعاء العبادة، فهذه الآية دلت على النهي أن يتوجه أحد إلى من هو دون الله جل وعلا بدعاء مسألة أو بدعاء عبادة.

وكان أعظم هذا النهي أن وجه إلى المصطفى - صلى الله عليه وسلم - الذي هو إمام المتقين وإمام الموحدين.

قال (وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ) ذكرت لك من قبل أنه قوله (مِنْ دُونِ اللهِ) تشمل مع الله أو مَن دون الله استقلالا.

قال (مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ) يعني الذي لا ينفعك ولا يضرك، و (مَا) تشمل العقلاء وغير العقلاء يعني تشمل أن يُعنى بها الملائكة والأنبياء والرسل ويُعنى بها الصالحون ويُعنى بها ما لا يعقل كالأصنام والأحجار والأشجار، وهذا من جهة دلالة اللغة.

قال الله جل وعلا لنبيه (فَإِن فَعَلْتَ) يعني إن دعوت من دون الله أحدا، وذلك الأحد موصوف بأنه لا ينفعك ولا يضرك (فَإِنَّكَ إِذاً مِّنَ الظَّالِمِينَ) ، وهذا إذا كان في حق النبي عليه الصلاة والسلام الذي كمّل الله له التوحيد إذا حصل منه الشرك فإنه يصبح ظالما ويصبح مشركا وحاشاه عليه الصلاة والسلام من ذلك، فهذا تخويف لمن هو دونه ممن لم يعصم ولم يعط العصمة من ذلك.

قال (فَإِن فَعَلْتَ) يعني إن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، (فَإِنَّكَ إِذاً) يعني بسبب تلك الدعوة من الظالمين، والظالمون جمع تصحيح للظالم والظالم اسم فاعل للظلم، والظلم المراد به هنا الشرك كما قال جل وعلا {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13] .

ثم قال (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) الغرض من أن يسأل أحدٌ غيرَ الله في إنجاء ما به طلب كشف الضر، الغرض من أن تستغيث بغير الله طلب كشف الضر، الغرض من أن يستعيذ بغير الله طلب كشف الضر؛ ولهذا ذكر الله جل وعلا القاعدة العامة في ذلك التي تقطع عروق الشرك من القلب حيث قال (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) ، إذا مسك الله بضر فمن يكشف الضر؟ يكشفه من قدّره ومن قضاه عليك، فهذا يقطع التوجه لغير الله تعالى ولكن ما دام أنه أذن فيما يقدر عليه المخلوق أن يتوجه عليه بطلب الغوث أو طلب السُّقيا أو نحو ذلك يكون ممن رُخص به والحمد لله.

قال (وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ) ، (بِضُرٍّ) هنا أيضا نكرة جاءت في سياق الشرط فيعم جميع أنواع الضر، سواء كان ضُرا في الدين أو كان ضرا في الدنيا، سواء كان ضرا في الدنيا من جهة الأبدان أو من جهة الأموال أو من جهة الأولاد أو من جهة الأعراض أو من أي شيء، فـ (إن ِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ) بأي نوع من أنواع الضر (فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ) في الحقيقة الذي يكشف الضر هو الله جل وعلا، لا يكشف البلوى إلا الله سبحانه وتعالى، وإذا كان المخلوق يقدر على ذلك الكشف فإنما هو من جهة أنه سبب جعله الله سببا يقدر على أن يكشف بإذن الله جل وعلا، وإلا فالكاشف في الحقيقة هو الله جل وعلا، والمخلوق ولو كان يقدر فإنما قدر بإقدار الله له إذ هو سبب من الأسباب، فإذن ولا يكشف على الحقيقة إلا الله جل وعلا.

وإذا تبين ذلك ظهر لك وجه استدلال المصنف لهذه الآية هو مناسبة الآية للترجمة من عدة جهات كما ذكرنا.

قال (وقوله تعالى {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ} [العنكبوت: 17] ) الدعاء من أعظم ما يتعلق به الخلق إذا كان من جهة طلب الرزق؛ لأن طلب الرزق أعظم أسباب الحياة، فإذا لم يكن عنده رزق يوشك على الهلاك، ولهذا ذكر الإمام هذه الآية التي فيها توحيد طلب الرزق لم؟ لأن معظم حال المستغيثين إنما هي لطلب الرزق،

(1) الشيخ قال: يمسسك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت