فهرس الكتاب
وهاتان مختلفتان، والأصح منهما الأخيرة؛ لأن المرء إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، والمخلوق يعلم أن لا يقدر عليه إلا الله فإنه شرك أكبر بالله جل وعلا، أو في حقيقة الأمر أنه لا يقدر عليه إلا الله.
أما قول من قال من أهل العلم أن الاستغاثة شرك أكبر إذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه، فإن هذا يَرِدُ عليه أن ثمة أشياء قد يكون في الظاهر يقدر عليها المخلوق لكن في الحقيقة لا يقدر عليها، فإذن يكون هذا الضابط غير منضبط.
لأن مثلا من وقع في شدة وهو في غرق مثلا وتوجه لرجل يراه بأنه يغيثه، فقال استغيث بك استغيث بك وذاك لا يحسن السباحة ولا الإنجاء من الغرق فهذا استغاث بالمخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق. فهل يكون شركا أكبر؟ لا, لم؟ لأن الإغاثة عادة من الغرق ونحوه يصلح أن يكون المخلوق قادرا عليها.
فيكون الضابط الثاني هو الصحيح هو أن يقال: الاستغاثة شرك بغير الله شرك أكبر إذا كان استغاث فيما لا يقدر عليه إلا الله.
أما إذا استغاث فيما يقدر عليه غير الله من المخلوقين؛ لكن هذا المخلوق المعين لم يقدر على هذا الشيء، فإنه لا يكون شركا؛ لأنه ما اعتقد في المخلوق شيئا لا يصلح إلا لله جل جلاله.
فإذن نقول الاستغاثة بغير الله:
· إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله فهي شرك أكبر.
· وإذا كانت فيما يقدر عليه المخلوق فهي جائزة، كما حصل من صاحب موسى إذِ استغاث بموسى عليه السلام.
قال (أو يدعو غيره) الدعاء كما ذكرت لك هو العبادة، والدعاء نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة.
(نعني بدعاء المسألة: ما كان فيه طلب وفيه سؤال يرفع يديه لله جل وعلا ويدعو، هذا يسمى دعاء مسألة، وهو الذي يغلب عند عامة المسلمين في تسمية الدعاء، إذا قيل دعا فلان يعني سأل ربه جل وعلا.
(والنوع الثاني دعاء العبادة: كما قال جل وعلا {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن:18] ، يعني لا تعبدوا مع الله أحدا أو لا تسألوا مع الله أحدا، وكما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «الدعاءُ هو العبادة» .
دعاء المسألة غير دعاء العبادة؛ دعاء العبادة كحال من صلى، كحال من زكى، كل صنف من أصناف العبادة يقال له دعاء؛ لكنه دعاء عبادة.
قال العلماء: دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ودعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة.
يعني أن من سأل الله جل وعلا شيئا فهو داعٍ دعاء مسألة وهذا متضمن أنه يعبد الله؛ لأن الدعاء دعاء المسألة أحد أنواع العبادة، فدعاء المسألة متضمن للعبادة لأنه جل وعلا يحب من عباده أن يسألوه.
دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة؛ يعني من صلى فيلزم أنه أنشأ الصلاة أنه يسأل الله القبول يسأل الله الثواب، فيكون دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة و دعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة.