من الأمر، ليس من الأمر شيء تملكه، اللام هنا لام الملك، فمن الذي يمكلك إذن؟ هو الله جل وعلا، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يُنفى عنه ذلك فإنّ نفيه عمن هو دونه من باب أولى.
والذين توجّهوا إلى أصحاب القبور أو إلى الصالحين والأولياء والأنبياء في داخلهم زعْمٌ بأنهم يملكون أشياء، إمّا أن يملكوا شيئا من الرزق أو يملكوا شيئا من التوسط والشفاعة بدون إذن من الله جل وعلا ومشيئته.
فإذن هذا الباب أحد الأبواب التي فيها البرهان على استحقاق الله للعبادة وحده دون ما سواه، والقرآن فيه كثير من البراهين على أنّ المستحق للعبادة هو الله جل وعلا وحده دون ما سواه، فمن تلك الأدلة والبراهين ما في القرآن من أدلة فيها إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، كل ذلك النوع من الأدلة فيه دليل على أنَّ المستحق للعبادة هو من أقررتم له بالربوبية.
ومن الأدلة والبراهين على ذلك ما في القرآن من أن الله جل جلاله نصر رسله وأولياءه على أعدائهم وأنّ كل طائفة من طوائف الشرك ذلت وخضعت وغلبت أمام طوائف أهل الإيمان أمام جند الله جل وعلا من الرسل وأتباع الرسل والأنبياء، وهذا نوع آخر من الأدلة أنه ما من طائفة موحدة بعث الله جل وعلا إمامها ورسولها بقتال المشركين إلا وظهرت عليهم, إلا وغلبتهم حتى صارت العاقبة لهم، وهذا أمر في القرآن كثير وأدلته كثيرة, قصص الأنبياء، وقصص القرى، وكل قرية خالفت رسولها عوقبت وهكذا كل القرى، هذا دليل على أن التوحيد هو الحق وأنّ الشرك باطل.
من الأدلة نوع آخر في القرآن-من البراهين نوع آخر في القرآن- مِن أن المخلوق ضعيف، أن العابد الذي يسمع هذا القرآن, كل مخلوق, كل مكلف يعلم من نفسه الضعف، وأنه جاء إلى الحياة بغير إختياره؛ بل الله جل وعلا هو الذي أتى به إلى هذه الحياة، وأنه سيخرج من هذه الحياة بغير إختياره أيضا، فهو أيضا مقهور، ويعلم قطعا أن الذي قهره وأذله وجعله على هذه الحالة ليس هو تلك الآلهة إنما هو الله جل وعلا وحده هو الذي يحيي ويميت، وهذا إقرار عام يعلمه كل أحد من فطرته.
من الأدلة و البراهين أنّ الله جل وعلا له الأسماء الحسنى وله الصفات العلا وأنه ذو النعوت الكاملة وذو النعوت الجليلة -نعوت الجلال ونعوت الجمال ونعوت الكمال-، وهو سبحانه كل الكمال المطلق في كل إسم له وفي كل نعت ووصف له، له الكمال المطلق الذي يعتريه نقص في وجه من الوجوه.
هذا الباب ذكر فيه الشيخ رحمه الله أحد أنواع أدلة الربوبية أو براهين التوحيد، وأنه الله جل وعلا هو الواحد في ربوبيته.
والباب الذي يليه هو باب قول الله تعالى {إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبإ:23] فيه دليل على عظمة الله جل وعلا في صفاته.
وفي هذا الكتاب تنويع أيضا -كما سيأتي- براهين التوحيد -توحيد العبادة- بأدلة من القرآن متنوعة، ونكمل إن شاء الله في الدرس القادم شرح هذا الباب، والذي يليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.