[1] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
(باب قول الله تعالى {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(191) وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا} [الأعراف:191 - 192] ، وقوله: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} [فاطر:13] ) ذكرنا لكم بالأمس أن هذا الباب مع الباب الذي يليه مناسبته لكتاب التوحيد أنّ هذين البابين هما برهان للتوحيد؛ برهان لاستحقاق الله حل وعلا العبادة وحده و على بطلان عبادة ما سواه، وهذا البرهان هو بتقرير أنّ الله حل وعلا واحد في ربوبيته، ودليل ذلك الفطرة ودليل ذلك العقل ودليل ذلك أيضا النص من الكتاب والسنة، فلا أحد ينكر أن الله جل وعلا هو مالك الملك، وهو الذي بيده تصريف الأمر كيف يشاء، إلا شرذمة قليلة من الناس -كما قال الشهرستاني وغيره- لا يصح أن تنسب لهم مقالة.
فالناس مفطورون على الإقرار بالرب وعلى الإقرار بأنهم، وإذا كان كذلك فإن الحجة عليه في وجوب توحيد الألوهية أن الله جعل في فطرهم الإقرار بأن الله واحد في ربوبيته، ولهذا المشركون لا ينكرون أن الله جل جلاله واحد في خلقه واحد في رَزْقه؛ يعني أنه هو الخلاق وحده، و أنه هو الرزاق وحده، وأنه جل وعلا هو الذي يحيي و يميت، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الذي بيده ملكوت السماوات و الأرض، وهو الذي ينبت النبات، وهو الذي يُنزل الماء، إلى آخر أفراد تدبيره جل وعلا للأمر وأفراد توحيد الربوبية.
فالبرهان على أنّ الله هو المستحق للعبادة وحده أنه جل وعلا هو مالك الملك وحده، وهو الذي يدبر هذا الملكوت وحده، وهو الذي خلق العباد والعباد صائرون إليه، وأما الآلهة التي توجه إليها العباد بالعبادة من الأنبياء والأولياء والملائكة فإنما هم مخلوقون مربوبون لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، وأيضا لا يستطيعون نصرا لمن سألهم، وإنما ذلك لله جل وعلا.
فإذا كان أولئك ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم من الملك شيء، وليس لهم من الخلق شيء، وليس لهم من تدبير الأمر شيء، وإنما تدبير أمر السماوات وتدبير أمر الأرض بيد الله وحده دونما سواه، فإن الذي يستحقّ العبادة وحده هو الذي يفعل تلك الأفعال، وهو الذي يتصف بتلك الصفات، هو الذي وحّده العباد في ربوبيته.
فإذا كان كذلك يجب أن يكون إذن واحدا في أفعالهم لكي لا يتوجهوا في العبادة إلا إليه وحده.
وهذا كثير في القرآن جدا، فإنك تجد في القرآن أنّ أعظم الأدلة والبراهين على المشركين في إبطال عبادتهم لغير الله وفي إحقاق عبادة الله وحده دونما سواه أنهم يقرون بتوحيد الربوبية، فالإقرار بتوحيد الربوبية برهان توحيد الإلهية، فالله جل وعلا احتج في القرآن على المشركين بما أقروا به من توحيد الربوبية على ما أنكروه من توحيد الإلهية.
ولهذا قال جل وعلا {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِن السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس:31] ؛ يعني أتقرون بذلك فلا تتقون الشرك -لأني
(1) من هنا يبتدئ الشريط السابع.