ذكرتُ لكم أن الفائدة أتت بعد الهمزة فهي تعطف ما بعدها على جملة محذوفة دلّ عليها السياق-، (أَفَلَا تَتَّقُونَ) يعني أتقرون بأن الله واحد في ربوبيته فلا تتقون الشرك به؟ {فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ} باعترافكم وبإيقانكم، {فَمَاذَا بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} [يونس:32] ، وهذا نوع احتجاج بما أقروا به وهو توحيد الربوبية على ما أنكروه وهو توحيد الإلهية.
كذلك الآيات العظيمة في سورة النمل قال جل وعلا {قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} [النمل:59 - 60] (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) هنا إنكار عليهم، أنكر لماذا؟ لأن ما سبق يقرون به، (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) يقرون بأن الذي خلقها هو الله، فإذن كيف يتخذون إلها مع الله، كان هذا إنكار, من الذي أنزل لهم من السماء ماء فأنبت لهم به حدائق ذات بهجة؟ هو الله، فإذن كيف يتخذون إلها معه، ولهذا قال جل وعلا (أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ) , هذا إنكار عليهم، (بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) يعني يعدلون بالله غيرَه أو يعدلون غير الله جل وعلا به؛ يعني يساوون هذا بهذا، أو (يَعْدِلُونَ) يعني يصرفون عن الحق ويُصرفون عنه إلى غيره، فكيف يعدلون عن الحق لا غيره أو كيف يعدلون بالله غيره من الآلهة وهكذا الآية التي بعدها قوله {أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حَاجِزًا} [النمل:61] ، جواب المشركين على هذا السؤال (أَمَّنْ) جوابهم هو الله، قال جل وعلا {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [النمل:61] ، ثم قال جل وعلا {أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] رجع من الآيات التي في الآفاق وفيما حولهم إلى الشيء الذي يعلمونه علم اليقين {أَمَّن يُجِيبُ المُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلَهٌ مَّعَ اللهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ} [النمل: 62] ، ثم قال جل وعلا {أَمَّن يَّهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحْرِ وَمَن يُّرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَءِلَهٌ مَّعَ الله تَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63) أَمَّن يَبْدَؤُا الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَّرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَءِلَهٌ مَّعَ الله قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل:63 - 64] ، وفي الحقيقة أنه لا برهان لهم، ولهذا قال في آية المؤمنون {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [المؤمنون:117] ، (لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ) فكل إله لا برهان له, (لَا بُرْهَانَ لَهُ) يعني لا حجة قائمة على إنه إله وإنما اتخذه البشر بالطغيان وبالظلم، {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117] ، فهذا الباب قائم على هذه الحجة، ولهذا من أعظم الحجة على المشركين وعلى الذين توجهوا إلى الأموات توجهوا إلى المقبورين بطلب تفريج الكربات وطلب إغاثة اللهفات وطلب إنجاح الحاجات وسؤال ما يحتاجه الناس، أعظم الحجة عليهم أنْ تحتج عليهم بتوحيد الربوبية.
وهؤلاء المشركون في هذه الأزمنة زادوا -كما قال الشيخ رحمه الله في القواعد الأربع- زادوا على مشركي الجاهلية بأنهم اعتقدوا أن لتلك الآلهة, لتلك الأموات, أن لهم تصرفا في الكون أيضا، فنسبوا إليهم شيئا من الربوبية ولم يجعلوا توحيد الربوبية أيضا خالصا.