فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 260

قوله (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) ، هذا معنى لا إله إلا الله بالمطابقة؛ لأنّ (لاَ) النفي في الجملتين وهنا (تَعْبُدُوا) ، وفي كلمة التوحيد إله والإله هو المعبود، (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاه) يعني أُحصروا العبادة فيه وحده دون ما سواه، أمر بهذا ووصى بهذا، وهذا معنى التوحيد؛ فإن دِلالة الآية على التوحيد ظاهرة؛ في أنَّ التوحيد إفراد العبادة لله، أو تحقيق كلمة لا إله إلا الله، وهذا الذي دلت عليه هذه الآية.

قال (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) يعني وأحسنوا بالوالدين إحسانا.

قال (وقوله تعالى {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36] ) هذا أيضا فيه إثبات ونفي، فيه أمر ونهي، أمَّا الأمر ففي قوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ) ، والنهي في قوله (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، وقد مرّ معك دِلالة قوله (اعْبُدُوا اللَّهَ) مع النفي على توحيد الله.

قوله هنا (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) لاحظ أن (لاَ) هنا نافية، ومن المتقرّر في علم الأصول، أنَّ النفي إذا تسلَّط على نكرة فإنه يفيد العموم، و (لاَ) بعدها نكرة، وهو المصدر المُسْتكِن في الفعل؛ لأن الفعل المضارع مشتمل على مصدر وزمن، (لَا تُشْرِكُوا) يعني لا إشراكًا به، فـ (تُشْرِكُوا) متضمنة لمصدر، والمصدر نكرة، فيكون قوله (لَا تُشْرِكُوا) يعني بأي نوع من الشرك، (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، و (شَيْئًا) أيضا هنا نكرة في سياق النفي، (لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ، فدلّت على عموم الأشياء، فصار -إذن- عندنا في قوله تعالى (وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) ثَمَّ عمومان:

· الأول: دلَّت الآية على النهي عن جميع أنواع الشرك، وذلك لأن النهي تسلّط على الفعل، والفعل فيه مصدر مُسْتكِنّ، والمصدر نكرة.

· والثانية: أنَّ مفعول (تُشْرِكُ) ؛ (شَيْئًا) ، و (شَيْئًا) نكرة، والنكرة جاءت في سياق النهي، وذلك يدل على عموم الأشياء، يعني لا الشرك الأصغر مأذونا به، ولا الأكبر، ولا الخفي، لدِلالة قوله (لَا تُشْرِكُوا بِهِ) ، وكذلك ليس مأذونا أن يُشرك لا بملك، ولا بنبيّ، ولا بصالح، ولا بعالم، ولا بطالح، ولا بقريب، ولا ببعيد، بدلالة قوله (شَيْئًا) وهذا استدلال ظاهر الوضوح في الدلالة على التوحيد بالجمع بين النفي والإثبات. [1]

قال (قوله تعالى {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] الآيات.) (قُلْ تَعَالَوْا) يعني يا مَن حرَّم بعض الأنعام، وافترى على الله في ذلك (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) قال العلماء: (أن) هنا تفسيرية متعلقة بمحذوف تقديره وصاكم؛ لأن (أن) التفسيرية تتعلق كما ذكرت لك بكلمة فيها معنى القول دون حروف القول وحددوها بقوله (وَصَّاكُم) لأنه في آخر الآي جاء (ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ) في الآية الأولى، ثم (لَعَلَّكُم تَذَكَّرُون) في الآية الثانية، ثم (لَعَلَّكُم تَتَّقُون) في الآية الثالثة كلها فيها الوصية. فإذن يكون تقدير الكلام: قل تعالوا أتلو ما حرم ربكم عليكم وصاكم ألا تشركوا به شيئا. يعني: أمركم، والوصية هنا شرعية، وإذا كانت الوصية من الله شرعية، فهي أمر واجب، فقوله (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) دلالتها على التوحيد كدلالة آية النساء قبلها.

(1) هنا ينتهي الوجه الأول للشريط الأول ويبدأ الوجه الثاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت