فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 260

تُبارِي عِتاقاً ناجِياتٍ وأَتْبَعَتْ ... وَظيفًا وَظيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ [1]

المور: الطريق، والمعبّد: هو الذي ذُلِّل من كثرة وطء الأقدام عليه، وقال أيضا في معلقته:

إلى أنْ تحامَتْني العَشيرةُ كُلُّها ... وأُفرِدْتُ إِفْرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ [2]

يعني الذي صار ذليلا، لأنه أصيب بالمرض فجُعل بعيدا عن باقي الأبعرة، فصار ذليلا لعدم المخالطة.

في الشر ع العبادة: هي امتثال الأمر والنهي على جهة المحبة والرجاء والخوف.

قال بعض العلماء: إن العبادة هي ما أُمر به من غير اقتضاء عقلي, اطراد عُرفي. وهذا تعريف الأصوليين.

وقال شيخ الإسلام في بيان معناها، في أول رسالة العبودية: العبادة اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

إذن دِلالة هذه الآية، أنَّ كلَّ فرد من أفراد العبادة يجب أن يكون لله وحده دون ما سواه؛ لأنّ الذي خلقهم, خلقهم لأجل أن يعبدوه، فكونهم يعبدون غيره، وهو الذي خلقهم هذا من الاعتداء والظلم؛ لأنه ليس مَن يخلق كمن لا يخلق؛ قال جل وعلا {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} [النحل:17] .

قال الشيخ رحمه الله (وقوله {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَن اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] ) هذه الآية تفسير للآية قبلها, الآية قبلها فيها بيان معنى العبادة، فيها بيان الغرض من الخلق، وأنه لأجل العبادة، هذه العبادة أُرسلت بها الرسل بدليل قوله (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَن اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) .

بُعثت الرسل بهاتين الكلمتين (اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) ، ففي قوله (اُعْبُدُوا اللَّهَ) إثبات، وفي قوله (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) نفي، وهذا معنى التوحيد، وهو أنه مشتمل على إثبات ونفي، لا إله إلا الله؛ أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت؛ لأن النفي فيه اجتناب الطاغوت، وهو كل إله عُبد بالبَغي والظلم والعدوان، والإثبات؛ إثبات العبادة في الله وحده دون ما سواه، ففي قوله (اُعْبُدُوا اللَّهَ) التوحيد المثبت، وفي قوله (اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) نفي الإشراك.

والطاغوت: فَعَلُوت من الطغيان، وهو كل ما جاوز به العبد حدَّه من متبوع أو معبود أو مطاع.

قال (وقوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء:23] ) (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ) ، (قَضَى) -كما فسّرها عدد من الصحابة- هنا بمعنى أمر و وصَّى، و أمر و وصى فيهما معنى القول دون حروف القول، فتكون (أَلَّا تَعْبُدُوا) ؛ (أنْ) هنا تفسيرية، يعني أمر و وصى، بماذا؟ بـ: لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا.

(1) يقول: هي تباري إبلا كراما مسرعات في السير وتتبع وظيف- مابين الرسغ إلى الركبة- رجلها وظيف يدها فوق طريق مذلل بالسلوك والوطء بالأقدام والحوافر والمناسم في السير. [عبد الله الحسين بن أحمد بن الحسين الزوزني، شرح المعلقات السبع، دار اليقضة العربية بيروت، 1969، ص 120] .

(2) يقول فتجنبتني عشيرتي كما يتجنب البعير المطلي بالقطران وأفردتني لما رأت أني لا أكف عن إتلاف المال والإشتغال باللذات. [الزوزني، شرح المعلقات السبع ص 137] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت