فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 260

إذا تبين ذلك، فالشرك يُعبَّر عنه بالتنديد، ولهذا قال جل وعلا {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا} [البقرة:22] ، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما سئل أيُّ الذنب أعظم، قال «أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّا وَهُوَ خَلَقَكَ» ، التنديد منه تنديد أعظم، ومنه تنديد ليس فيه صرف العبادة لغير الله:

فإذا كان التنديد في جعل العبادة لغير الله، صار التنديد أكبر، صار شركا أكبر.

وإذا كان التنديد فيه جعل غير الله جل وعلا نِدًّا لله في عمل ولا يبلغ ذلك الشرك الأكبر، فإنّه يكون تنديد أصغر وهو الشرك الأصغر.

هذه مقدمات وتعاريف مهمّة بين يدي شرح هذا الكتاب العظيم.

قال إمام هذه الدعوة (كتاب التوحيد، وقول الله تعالى) ، (قول) هذه كما في صحيح البخاري تنطقها:

¨ إما على العطف؛ (كتاب التوحيدِ، وقولِ الله) ، يعني وكتابُ قولِ الله.

¨ أو على الاستئناف؛ (وقولُ الله تعالى) .

قال (وقول الله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56] ) ، هذه الآية فيها بيان التوحيد؛ وجه ذلك أنَّ السلف فسّروا (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، يعني إلاَّ ليوحّدونِ, دليل هذا الفهم، أنّ الرسل إنّما بُعثت لأجل التوحيد؛ توحيد العبادة، فقوله (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) يعني إلاَّ ليوحدونِ.

قوله (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا) هذا فيه حصر، ومعلوم أن (مَا) النافية مع (إِلاَّ) تفيد الحصر والقصر, معنى الكلام: خَلقتُ الجن والإنس لغاية واحدة هي العبادة دون ما سواها، ففيه قصر علّة الخلق على العبادة.

وقوله (إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، (إِلَّا) هذه تسمّى أداة استثناء مُفرَّغ, مفرّغ من أعم الأحوال -كما يقول النحّاة-، يعني وما خلقت الجن والإنس لشيء أو لغاية من الغايات أبدا إلاّ لغاية واحدة، وهي أن يعبدونِ.

وقوله (لِيَعْبُدُونِ) اللام هذه تسمّى لام التعليل؛ ولام التعليل هذه قد يكون المعنى تعليل غاية، أو تعليل علّة؛ تعليل غاية يكون ما بعدها مطلوبا؛ لكن قد يكون و قد لا يكون، يعني هذه الغاية، ويسميها بعض العلماء لام الحكمة، وفرق بين العلة والحكمة، يعني ما الحكمة من خلق الجن والإنس؟ أن يعبدوا الله وحده دون ما سواه، هذا التعليل بقوله (لِيَعْبُدُونِ) قلنا تعليل غاية؛ مثلا قلتُ لكَ: لِما أحضرتَ الكتاب؟ قلتَ: أحضرتُه لأقرأ, فيكون علة الإحضار، أو الحكمة من الإحضار القراءة، قد تقرأ، وقد لا تقرأ، بخلاف اللام التي يكون معناها العلة التي يترتب عليها معلولُها، والتي يقول العلماء في نحوها: الحكم دائر مع علته وجودا وعدما. تلك علة القياس، التي لا يتخلّف فيها المعلول عن العلة.

فهنا اللام هذه لام علة الغاية؛ لأن من الخلق من وُجد وخلقه الله جل وعلا، لكن عبَدَ غيره، ولام الحكمة شرعية؛ ما بعدها يكون مطلوبا شرعا، قال جلّ وعلا هنا (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) نفهم من هذا أنّ هذه الآية دالة على التوحيد، من جهة أنّ الغاية من الخلق هو التوحيد، والعبادة هنا هي التوحيد, حقيقة العبادة الخضوع والذل، فإذا انضاف إليها المحبة والانقياد، صارت عبادة شرعية؛ قال طَرَفة في وصف ناقة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت