إذن هذا الباب عقده الشيخ ليبين أن الطاعة من أنواع العبادة؛ بل إن الطاعة في التحليل وفي التحريم هذه هي معنى اتخاذ الأرباب حيث قال الله جل وعلا (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) وما سيأتي من بيان حديث عدي بن حاتم - رضي الله عنه -.
قال رحمه الله (باب من أطاع العلماء والأمراء) ، (العلماء والأمراء) هم أولو الأمر لقوله جل وعلا {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء:59] ، قال العلماء أولو الأمر يشمل من له الأمر في حياة الناس في دينهم وهم العلماء وفي دنياهم وهم الأمراء, وقد قال هنا جل وعلا (وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يكرر فعل الطاعة، قال ابن القيم وغيره: دل هذا على أن طاعة أولي الأمر ليست استقلالا وإنما يطاعون في طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا أمروا بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. والأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص من الكتاب والسنة فإنهم يطاعون في ذلك لما أذن الله به في ذلك ولما في ذلك من المصالح المرعية في الشرع، إذن من أطاع العلماء والأمراء هنا ذكر هذا الباب لأجل أن الطاعة نوع من أنواع العبادة، وهذه العبادة يجب أن يُفرد الله جل وعلا بها، فمن أطاع غير الله على هذا النحو الذي ذكره الشيخ فقد أشرك الشرك الأكبر بالله جل وعلا، قال (من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحلّ الله) يعني في تحريم الذي أحل الله؛ فيكون هناك حلال في الشرع فيحرمونه يحرمه العالم أو يحرمه الأمير فيطيعه الناس وهم يعلمون أنه حلال؛ لكن يطيعونه في التحريم، والحلال يعني الذي أحله الله، أحل الله أكل الخبز فيقولون الخبز حرام عليكم دينا، فلا تأكلوا الخبز تدينا، ويحرمونه لأجل ذلك، فهذا طاعة لهم في تحريم ما أحل الله, قال (أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابا) ، (أو تحليل ما حرم الله) يعني أحلوا ما يُعلم أن الله حرمه حرم الله الخمر فأحله العلماء أو أحله الأمراء، فمن أطاع عالما أو أميرا في اعتقاد أنّ الخمر حلال وهو يعلم أنها حرام وأن الله حرمها فقد اتخذه ربا من دون الله جل وعلا.
إذن هنا في هذا الباب حكم، وهناك شرط:
فالحكم قوله في آخره (فقد اتخذهم أربابا) فهو جزاء الشرط.
والشرط قوله (من أطاع العلماء والأمراء) .
وضابط هذا الشرط ما بينهما وهو قوله (في تحريم ما أحل الله, أو تحليل ما حرمه) وهذا يستفاد منه -يعني من اللفظ- أنهم عالمون بما أحل فحرموا طاعة عالمون بما حرم فأحلوه طاعة لأولئك.
وقوله في آخره (فقد اتخذهم أربابا) ذلك لأجل آية سورة براءة قال (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) وحديث عدي بن حاتم في ذلك.
والأرباب جمع الرب، والرب والإله لفظان يفترقان؛ لأن:
الرب: السيد الملك المتصرف في الأمر.
والإله: هو المعبود.