فهرس الكتاب

الصفحة 218 من 260

وقد سئل المصنف الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عن الفرق بين الإله والرب في مثل هذه السياقات في نحو قوله {وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:80] ، وفي نحو قوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) : ما معنى الربوبية هنا؟

قال: الربوبية هنا بمعنى الألوهية, بمعنى المعبود؛ لأن من أطاع على ذلك النحو فقد عبد، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعدي عندما قال: إنا لسنا نعبدهم. فعدي فهم من كلمة (أَرْبَابًا) العبادة، وقال النبي مقررا لذلك: «أليس يحرمون ... » إلى آخره، فهو إقرارا منه عليه الصلاة والسلام؛ لأن معنى الربوبية هنا العبودية.

فإذن قال الشيخ رحمه الله حينما سئل قال: الألوهية والربوبية أو كلمة الرب والإله من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت؛ [1] يعني كلفظ الفقير والمسكين وكلفظ الإسلام والإيمان وكنحوهما، لم؟ لأن الإلهَ يُطلق على المعبود، والرب جاء في نصوص كثيرة إطلاق الرب على المعبود، كما ذكرنا في الآيات وفي الحديث، وكقوله عليه الصلاة والسلام في مسائل القبر «فيأتيه ملكان فيسألانه من ربك؟» يعني من معبودك؛ لأن الابتلاء لم يقع في الرب الذي هو الخالق الرازق المحيي المميت.

فإذن لفظ الأرباب والآلهة إذا اجتمعت افترقت وإذا افترقت اجتمعت، فقد يطلق على الأرباب آلهة, على الآلهة أربابا، وهل هذا الإطلاق لأجل اللغة -يعني أن أصله في اللغة يدخل هذا في هذا وهذا في ذاك-؟ أم أنه لأجل اللزوم والتضمن؟

الظاهر -عندي- الأخير: يعني أنه لأجل اللزوم والتضمن فإن الربوبية مستلزمة للألوهية، والألوهية متضمنة للربوبية، فإذا ذُكر الإله فقد تضمن ذلك ذكر الرب، وإذا ذكر الرب فاستلزم ذلك ذكر الإله، ولهذا قال جل وعلا هنا (وَلاَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا) يعني آلهة لاستلزام لفظ الربوبية للإلهية، وكذلك قوله (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا) يعني آلهة معبودين كما أتى تفصيله في الحديث.

قال (وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!) هذا الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح، وإسناده عن عبد الرزاق عن معمر عن طاووس عن ابن عباس أو نحو ذلك، وقد ذكر إسناده شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع من الفتاوى بنصه فذكر الإسناد والمتن، [2] وغالب من خرجوا كتاب التوحيد قالوا إن هذا الأثر لا أصل له بهذا اللفظ، وهذه جراءة منهم حيث أنهم ظنوا أن كل كتب الحديث بين أيديهم، ولو تتبعوا كتب أهل العلم لوجدوا أنّ إسناده والحكم عليه موجود في كتبهم.

المقصود ما اشتمل عليه هذا الأثر وهو قوله (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون قال أبو بكر وعمر) الواجب على المسلم أنه إذا سمع حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلم فقهه أو بينه له أهل العلم فإنه لا يترك ذلك الحديث والذي فقهه لقول أحد كائنا من كان، ذا كان [3] [الحديث ظاهرا في الدلالة على ذلك، وكان القول الآخر لا دليل عليه، أما إذا كانت المسألة اجتهادية في الحديث من جهة الفهم، فهذا مجاله واسع، وابن عباس رضي الله عنهما يُحمل كلامه هذا على أن هؤلاء الذين قالوا له تلك المقالة، قالوا له: قال أبو بكر وعمر] . [4] عارضوا قوله في المتعة بقول أبي بكر وعمر الذي هو مناقض لصريح قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا يذهبان إلى أنّ إفراد الحج أفضل من التمتع، وابن عباس كان يوجب التمتع ويسوق الأدلة في ذلك، وقول أبي بكر وعمر أخذ به طائفة من أهل العلم كمالك وغيره؛ بل قال طائفة إن إفراده الحج وسفره مرة أخرى للعمرة خير له من أن يجمع بين حج وعمرة في سفرة واحدة كما هو اختيار شيخ الإسلام واختيار غيره من المحققين.

المقصود من ذلك أن كلام ابن عباس هذا ليس في المسألة الفقهية؛ يعني فقه كلام ابن عباس فيما أراده الشيخ ليس فيما يتعلق بمسألة التمتع والإفراد؛ ولكن في مسألة عموم لفظه وهو أنه لا يعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام الظاهر معناه بقول أحد لا دليل له على قوله ولو كان ذلك القائل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فكيف بمن دونهما من التابعين أو من الصحابة فكيف بأئمة أهل المذاهب وأصحاب أهل المذاهب رحمهم الله تعالى، واحترام العلماء وأهل المذاهب واجب؛ لكن أجمع أهل العلم على أن من استبانت له سنة من سنن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يتركها لقول أحد كائنا من كان.

قال (وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أحد العلماء المعروفين وكان له مذهب وكان له أتباع، قال الإمام أحمد (عجبت لقوم عرفوا الإسناد

(1) فاعلم أن الربوبية، والألوهية: يجتمعان، ويفترقان، كما في قوله {أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس} وكما يقال رب العالمين، وإلهّ المرسلين؛ وعند الإفراد: يجتمعان، كما في قول القائل: من ربك؟

مثاله: الفقير والمسكين، نوعان في قوله: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} [التوبة:60] ، ونوع واحد في قوله: «افترض عليهم صدقة، تؤخذ من أغنيائهم، فترد إلى فقرائهم» إذا ثبت هذا، فقول الملكين للرجل في القبر: من ربك؟ معناه من إلّهك؛ لأن الربوبية التي أقر بها المشركون، ما يمتحن أحد بها، وكذلك قوله: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا يقولوا ربنا الله} [الحج:40] ، وقوله: {قل أغير الله أبغي رباً} [الأنعام:164] وقوله: {إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} [فصلت:30 - الأحقاف:13] .

فالربوبية في هذا، هي: الألوهية، ليست قسيمة لها، كما تكون قسيمة لها عند الاقتران؛ فينبغي: التفطن لهذه المسألة. [الدرر السنية الجزء الأول ص 106 - 107]

(2) قال أحمد أخبرنا عبدالرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن سالم قال سئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إنك تخالف أباك فقال عمر لم يقل الذي تقولون إنما قال عمر إفراد الحج من العمرة فإنها أتم للعمرة أو أن العمرة لا تتم في أشهر الحج إلا أن يهدي وأراد أن يزار البيت في غير أشهر الحج فجعلتموها أنتم حراما وعاقبتهم الناس عليها وقد أحلها الله وعمل بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا أكثروا عليه قال أفكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر وكان ابن عباس يأمر بها فيقولون إن أبا بكر وعمر لم يفعلاها فيقول يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال النبى - صلى الله عليه وسلم - وتقولون قال أبو بكر وعمر [ابن تيمية، مجموعة الفتاوى، دار الجيل، ط 1، 1418 هـ-1997 م، (م 13/ج 26/ص 31) ]

(3) انتهى الوجه الأول من الشريط الثاني عشر.

(4) سقط من الأشرطة، ونقلته من تفريغ جامع ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت