فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 260

وصحته) يعني في ذلك الحديث الذي تنازعوا فيه, ويذهبون إلى رأي سفيان, فقوله (يذهبون إلى رأي سفيان) يدل على أن سفيان لم يكن له مستند على ما ذهب إليه، وهو عالم من العلماء وأحد الزهّاد الصالحين المشهورين؛ ولكن قد تخفاه السنة فيكون حكم برأيه أو بتقعيد عنده, لكن السنة جاءت بخلاف ذلك، فلا يسوغ أن يجعل رأي سفيان في مقابل الحديث النبوي على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال (والله تعالى يقول: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور:63] ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قبله شيء من الزيغ فيهلك) إذا ردّ بعض قول النبي عليه الصلاة والسلام بقول أحد يخشى عليه أن يعاقب فيقع في قلبه الزيغ، قال الله جل وعلا عن اليهود {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف:5] ، فهم زاغوا بمحض إرادتهم واختيارهم مع بيان الحجج وظهور الدلائل والبراهين, لكن لما زاغوا أزاغ الله قلوبهم عقوبة منه لهم على ذلك, وهذا معنى (فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) يعني نوع شرك, وقد يصل ذلك إلى الشرك الأكبر بالله جل وعلا، إذا كان في تحليل الحرام مع العلم بأنه حرام، وتحريم الحلال مع العلم بأنه حلال.

قال (وعن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هذه الآية: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهاً وَاحِداً} [التوبة:31] الآية، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم) فيه أنهم فهموا من معنى قوله (أَرْبَابًا) أنه معناه المعبودين، (قال عليه الصلاة والسلام «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» . فقلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم» . رواه أحمد والترمذي وحسنه) هذا الحديث فيه بيان أن طاعة الأحبار والرهبان قد تصل إلى الشرك الكبر واتخاذ أولئك أربابا ومعبودين.

والأحبار: هم العلماء. والرهبان: هم العُبّاد.

وطاعة الأحبار في التحليل والتحريم على درجتين:

الدرجة الأولى: أن يطيع العلماء أو الأمراء في تبديل الدين؛ يعني في جعل الحرام حلالا وفي جعل الحلال حراما، فيطيعهم في تبديل الدين وهو يعلم أن الحرام قد حرمه الله؛ ولكن أطاعهم تعظيما لهم، فحلّل ما أحلوه طاعة لهم وتعظيما وهو يعلم أنه حرام، حلل يعني اعتقد أنه حلال وأمضى أنه حلال وهو حرام في نفسه، أو حرّم تبعا لتحريمهم وهم يعلم أن ما حرموه من الحلال أنه غلط وأن الحلال حلال؛ ولكنه حرم تبعا لتحريمهم، هذا يكون قد أطاع العلماء أو الأمراء في تبديل أصل الدين، فهذا هو الذي اتخذهم أربابا، وهو الكفر الأكبر والشرك الأكبر بالله جل وعلا، وهذا هو الذي صرف عبادة الطاعة إلى غير الله، ولهذا قال الشيخ سليمان رحمه الله في شرحه لكتاب التوحيد قال: الطاعة هنا في هذا الباب المراد بها طاعة خاصة وهي الطاعة في تحليل الحرام أو تحريم الحلال. وهذا ظاهر.

الدرجة الثانية: أن يطيع الحبْرَ أو يطيع الأمير أو يطيع الرهبان في تحريم الحلال أو في تحليل الحرام من جهة العمل، أطاع، وهو يعلم أنه عاصي بذلك ومعترف بالمعصية؛ لكن اتبعهم عملا وقلبه لم يجعل الحلال حراما، وقلبه لم يجعل طاعة أولئك في قلبهم الحلال حراما متعينا أو سائغا؛ ولكن أطاعهم حبا له في المعصية أو حبا له في مجاراتهم؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت