فيها، فإن حركة القلب كانت في غير تحقيق التوحيد، في غير تحقيق شهادة أنّ محمدا رسول الله فلا يكون من أهل تحقيق التوحيد.
كذلك أهل الشرك بأنواعه ليسوا من أهل تحقيق التوحيد.
وأمّا مرتبة الخاصة التي ذكرتُ، ففيها يتنافس المتنافسون، وما ثَمَّ إلاّ عفو الله و مغفرته ورضوانه.
(باب من حقق التوحيد؛ دخل الجنة بغير حساب) استدل الشيخ في هذا الباب بآيتين وبحديث.
أما الآية الأولى قال رحمه الله (وقول الله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل:120] ) هذه الآية فيها الدِّلالة على أنَّ إبراهيم عليه السلام كان محققا للتوحيد؛ وجه الدلالة أن الله جلّ وعلا وصفه بصفات:
الأولى: أنه كان أُمّة، والأمة هو الإمام الذي جمع جميع صفات الكمال البشري وصفات الخير, وهذا يعني أنه لم ينقص من صفات الخير شيئا، وهذا هو معنى تحقيق التوحيد.
والأمَّة تطلق في القرآن إطلاقات، ومن تلك الإطلاقات أن يكون معنى الأمّة الإمام المقتدى به في الخير، وسُمِّي أمّة لأنه يقوم مقام أمَّة في الإقتداء، ولأنه يكون من سار على سيره غير مستوحش ولا متردّد، لأنه ليس مع واحد فقط وإنما هو مع أمة.
الوصف الثاني الذي فيه تحقيق التوحيد: أنه قال (قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) وهاتان صفتان؛ (قَانِتًا لِلَّهِ) صفة, (حَنِيفًا) صفة؛ ولكن هذه وهذه متلازمتان؛ لأن القنوت لله معناه دوام الطاعة وملازمة الطاعة لله جل وعلا، فهو ملازم الطاعة لله جل وعلا، (حَنِيفًا) هذا فيه النفي، ففي قوله (قَانِتًا لِلَّهِ) الإثبات في لزوم الطاعة ولزوم إفراد التوحيد، وفي قوله (حَنِيفًا) النفي.
قال العلماء: الحنيف هو ذو الحَنَفِيّ وهو الميل عن طريق المشركين. مائلا عن طريق المشركين, مائلا عن هدي وسبيل المشركين.
فصار -إذن- عنده ديمومة وقنوت وملازمة للطاعة وبُعْد عن سبيل المشركين، ومعلوم أن سبيل المشركين الذي صار إبراهيم عليه السلام حنيفا عن ذلك السبيل -يعني مائلا عن ذلك السبيل بعيدا عنه-, معلوم أنه يشتمل على الشرك والبدعة والمعصية، فهي ثلاث أخلاق المشركين؛ شرك وبدعة ومعصية من غير إنابة ولا استغفار.
قال (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، (لَمْ يَكُ) ، (يَكُ) هذه هي (يكن) ، وفي النفي يجوز حذف النون -نون (يكن) - في مثل هذا (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، وفي آية أخرى (ولم يكن من المشركين) ، [1] فهما جائزان في اللغة إذا جاءت (يكن) في سياق النفي كما هو معلوم.
(وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، (الْمُشْرِكِينَ) جمع تصحيح للمشرك، والمشرك اسم فاعل الشرك، و (الـ) -كما هو معلوم في العربية- إذا جاءت قبل اسم الفاعل، أو اسم المفعول، فإنها تكون موصولة كما قال ابن مالك في الألفية:
(1) لم أجدها ولكن يوجد شواهد كثيرة في القرآن منها {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:196] .