فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 260

وَصِفَةٌ صَرِيحَةٌ صِلَةُ أَلْ ... وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ

والاسم الموصول عند الأصوليين يدل على العموم، فكان إذن المعنى: (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يعني ولم يكُ فاعلا للشرك بأنواعه؛ لم يكُ منهم، ولم يكُ من الذين يفعلون الشرك بأنواعه. وأيضا دل قوله (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) على أنه ابتعد عنهم، لأن (مِن) تحتمل أن تكون تبعيضية؛ فتكون المباعدة بالأجسام، ويحتمل أن تكون بيانية؛ فتكون المباعدة بمعنى الشرك.

المقصود أن الشيخ رحمه الله استحضر هذه المعاني من الآية، فدلته الآية على أنها في تحقيق التوحيد، قال جل وعلا (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ذلك لأن من جمع تلك الصفات فقد حقق التوحيد، ومن حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.

في تفسير إمام الدعوة المصنف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله؛ في تفسيره لآخر سورة النحل؛ فسر هذه الآية فقال رحمه الله: إنَّ إبراهيم (كَانَ أُمَّةً) لأنْ لا يستوحش سالكُ الطريق من قلة السالكين، (قَانِتًا لِلَّهِ) لا للملوك ولا للتجار المترَفين، (حَنِيفًا) لا يميل يمينا ولا شمالا، كحال العلماء المفتونين، (وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) خلافا لمن كثّر سوادهم وزعم أنه من المسلمين.

وهو من التفاسير الرائقة، الفائقة، البعيدة المعاني، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت:35] .

وقال بعد ذلك (وقولُه {وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ} [المؤمنون: 59] .) هذه من آيات من سورة المؤمنون، فهي في مدح خاصة المؤمنين، ووجه الاستدلال من الآية على الباب أنه قال (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) .

(لَا يُشْرِكُونَ) نفي للشرك -كما ذكرتُ لكم من قبل- أنَّ النفي إذا تسلَّط على الفعل المضارع فإنه يفيد عموم المصدر الذي إستكنَّ في الفعل؛ يعني كأنه قال جل وعلا: والذين هم بربهم لا يفعلون شركا، أو لا يشركون لا بشرك أكبر، ولا أصغر، ولا خفي.

والذي لا يُشرك هو الموحد، فصار عندنا لازمٌ وهو أنَّ من لم يشرك أي نوع من أنواع الشرك، فإنه ما ترك الشرك إلا لتوحيده.

قال العلماء: قدّم هنا قوله (بِرَبِّهِمْ) ، (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) لأن الربوبية تستلزم العبودية. فصار عدم الإشراك في الربوبية معناه عدم الإشراك في الطاعة وعدم الإشراك في العبودية، وهذا وصف الذين حققوا التوحيد؛ لأنه يلزم من عدم الإشراك ألاَّ يُشرك هواه، وإذا أشرك المرء هواه أتى بالبدع أو أتى بالمعصية، فصار نفي الشرك نفيا للشرك بأنواعه، ونفيا للبدعة، ونفيا للمعصية، وهذا هو تحقيق التوحيد لله جل وعلا.

فإذن الآية دالة على ما ترجم به الإمام رحمه الله من قوله (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) ، وأولئك قال فيهم الله جل وعلا (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) .

أمَّا الحديث فهو حديث طويل، وموضع الشاهد منه؛ قوله عليه الصلاة والسلام(فَنَظَرْتُ. فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ. فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمّتُكَ. وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلاَ عَذَابٍ».

فنَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ. فَخَاضَ النّاسُ فِي أُولَئِكَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلّهُمُ الّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَلَعَلّهُمُ الّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلاَمِ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِالله. وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ.

فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: «هُمُ الّذِينَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ. وَلاَ يَكْتَوُون. وَلاَ يَتَطَيّرُونَ. وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ» )هذه في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهذه صفة من صفاتهم، وتلك الصفة خاصة بهم لا يلتبس أمرهم بغيرهم؛ لأن هذه الصفة كالشامة يُعرفون بها.

من هم الذين حققوا التوحيد؟ قال (هُمُ الّذِينَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ. وَلاَ يَكْتَوُون. وَلاَ يَتَطَيّرُونَ. [وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ] ) فذكر أربع صفات:

-الأولى أنهم (لاَ يَسْتَرْقُونَ) : ومعنى (لاَ يَسْتَرْقُونَ) لا يطلبون الرقية، والطالب للرقية في قلبه ميل للراقي حتى يرفع ما به من جهة السبب. وهذا النفي (لاَ يَسْتَرْقُونَ) ؛ لأن الناس في شأن الرقية تتعلق قلوبهم جدا أكثر من تعلقهم بالطب ونحوه، فالرقية عند العرب في الجاهلية -وهكذا حال أكثر الناس- لهم تعلُّقٌ بها، فالقلب يتعلق بالراقي، ويتعلق بالرقية، وهذا ينافي كمال التوكل على الله جل جلاله.

وأما ما جاء في بعض الروايات أنهم الذين (لاَ يَرْقُون) فهذا غلط؛ لأنّ الراقي محسن إلى غيره، وهي لفظة شاذة، والصواب ما جاء في هذه الرواية من أنهم الذين (لاَ يَسْتَرْقُونَ) ، يعني لا يطلبون الرقية؛ وذلك لأن طالب الرقية يكون في قلبه ميل إلى هذا الذي رقاه وإلى الرقية، ونَوْعُ تَوَكُّلٍ أو نوع استرواحٍ لهذا الذي يَرقي أو للرقية.

-قال (وَلاَ يَكْتَوُون) : والكيُّ مكروه في أصله؛ لأن فيه تعذيبا بالنار، مع أنَّه مأذون به شرعا؛ لكن فيه كراهة. والعرب تعتقد أن الكيَّ يُحدث المقصود دائما، فلهذا تتعلق قلوبهم بالكي، فصار تعلق القلب بهذا الكي من جهة أنَّه سبب يؤثر دائما، ومعلوم أن الكيَّ يؤثر بإذن الله جل وعلا إذا اجتمعت الأسباب وانتفت الموانع. فالنفي لأجل أن في الكيِّ بخصوصه ما يتعلق الناس به من أجله.

-قال (وَلاَ يَتَطَيّرُونَ) : والطِّيَرَة شيء يعرض على القلب من جرَّاء شيء يحدث أمامه، إما أن يجعله يُقدم على أمرٍ، أو أن يُحجم عنه، وهذه صفة من لم يكن التوكل في قلبه عظيما.

-قال بعدها (وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ) : وهي جامعة للصفات السابقة.

هذه الصفات لا يُعنى بذكرها أن الذين حققوا التوحيد لا يباشرون الأسباب، كما فهمه بعضهم من أن تحقيق التوحيد أو أن الكمال أن لا يباشر سببا البتة، أو أن لا يتداوى البتة، هذا غلط؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رُقِيَ عليه الصلاة والسلام، ولأنه عليه الصلاة والسلام تداوى، وأمر بالتداوى، وأمر أيضا الصحابة بأن يكتوي ونحو ذلك، فليس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت