فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 260

فيه أن أولئك لا يباشرون الأسباب مطلقا، أو لا يباشرون الدواء، إنما فيها ذكر هذه الثلاث بخصوصها؛ لأنها يكثر تعلق القلب والتفاته إلى الراقي أو الكي أو الكاوي أو إلى التطير، ففيها إنقاص من التوكل.

أما التداوي فهو مشروع، إمّا واجب أو مستحب، وفي بعض الأحوال يكون مباحا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «تداووا عباد الله ولا تتداووا بحرام» ، المقصود من هذا أن التداوي فعلاً، يعني أن يفعل التداوي وأن يطلب الدواء، ليس خارما لتحقيق التوحيد؛ ولكن الذي هو من صفة أهل تحقيق التوحيد أنهم لا يسترقون -بخصوص الرقية-، ولا يكتوون -بخصوص الكيّ-، ولا يتطيرون، وأمّا ما عدا ذلك مما أُذِن به فلا يدخل فيما يختصّ به أهل تحقيق التوحيد.

فإذن يكون الأظهر عندي؛ مما في هذا الحديث أنه مخصوص بهذه الثلاثة (لاَ يَسْتَرْقُونَ. وَلاَ يَكْتَوُون. وَلاَ يَتَطَيّرُونَ) ، أمّا الأسباب الأخرى المأذون بها فلا تدخل في صفة الذين حققوا التوحيد.

قال (فَقَامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ. فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: «أَنْتَ مِنْهُمْ» ثُمّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. فَقَالَ: «سَبَقَكَ بِهَا عُكّاشَةُ» ) هذا فيه دليل على أنّ أهل تحقيق التوحيد قليل، وليسوا بكثير؛ ولهذا جاء عديدهم في هذا الحديث بأنهم سبعون ألفا، قد جاء في بعض الروايات عند الإمام أحمد وعند غيره, بأنّ الله جل وعلا أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كل ألف من السبعين ألفا أعطاه سبعين ألفا, فيكون العدد قَرابة خمسة ملايين من هذه الأمة، فإن كان ذلك الحديث صحيحا -وقد صحح إسناده بعض أهل العلم- فإنه لا يكون للعدد في هذا الحديث مفهوم، أو كان قبل سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُزاد في عدد أولئك الذين حققوا التوحيد.

ما معني أن يُزاد في عددهم؟ يعني أن الله جلّ وعلا يمنُّ على أناس من هذه الأمة أكثر من السبعين ألفا ممن سيأتون، فيوفقهم لعمل تحقيق التوحيد، والله جل وعلا هو الذي يوفق، وهو الذي يهدي، ثم هو الذي يجازي فما أعظمه من محسن، برٍّ، كريم، رحيم.

[الأسئلة]

[س/ من يوصي أحد بالبحث عن راق يرقي له، دون أن يطلب الرقية من الراقي بنفسه، هل هذا يدخل في الذين (يَسْتَرْقُونَ) ؟

ج/ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فإن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في وصف السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب قال (هُمُ الّذِينَ وَلاَ يَسْتَرْقُونَ) يعني لا يطلبون الرقية، وفَهْم جواب السؤال يتبع فهم التعليل؛ ذلك أن أولئك كانوا لا يسترقون يعني لا يطلبون الرقية لأجل ما قام في قلوبهم من الإستغناء بالله وعدم الحاجة إلى الخلق، ولم تتعلق قلوبهم بالخلق في هذا الأمر الذي سيرفع ما بهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت