فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 260

واحد وذلك المعنى أن شكر النعمة لله جل وعلا فيما أنعم به يقتضي أن تُنسب إليه جل وعلا، وأن يحمد عليها ويثنى عليه بها، وأن تستعمل في مراضيه جل وعلا، وأن يتحدث بنعمة الله، فالذي ينسب النعم إلى نفسه، هذا لم يحقق التوحيد، فإنه جمع بين ترك تعظيم الله جل وعلا وما بين ادعاء شيء ليس له، كذلك الذي يعتقد في غيره الذي هو المنعم عليه كقول القائل: لو لا فلان لم يكن كذا، أو نحو تلك العبارات التي تدخل في قوله تعالى {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:22] وفي قوله {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا} [النحل:83] ، هذه وأمثالها راجع إلى عدم شكر النعمة، ومن شكر النعم أن الله جل وعلا إذا أنعم على عبد يولد وجعله سليما معافى ورزقه بتلك النعمة التي هي نعمة الولد أنْ يشكر الله عليها.

ومن عدم شكر النعمة تلك ونسبتها إلى غير الله أن يُعبِّد الولد لغير الله جل وعلا، فإن هذا مضاد للاعتراف بأن المنعم ذلك الولد هو الله جل وجلاله، وقد يصل ذلك إلى حد الشرك الأكبر إذا عَبَّد الولدَ لولي أو لعبد صالح، وهو يعني حقيقة العبودية التي هي أن هذا عبد لذاك؛ لأن ذاك إله، كمن يعبد لبعض المشايخ فيقول عبد السيد ويعنون به السيد البدوي، ويقولون عبد زينب وعبد علي وعبد عمرو، ونحو ذلك من الأسماء التي فيها اعتقادات.

فمن عبد لغير الله جل وعلا فإن هذا ينافي شكر النعمة، ولهذا أتبع الشيخ رحمه الله هذا الباب الأبواب قبله لما يشترك معها في هذا المعنى، وأن الواجب على العبد أن يحقق التوحيد وأن لا ينسب النعم لغير الله جل وعلا، وإن وقعت منه ذلك فيجب عليه أن يبادر بالتوبة وأن لا يقيم على ذلك.

قال (باب قول الله تعالى: {فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا فَتَعَالى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونً} [الأعراف:190] ) قوله (فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا صَالِحاً) الضمير هنا يرجع إلى آدم وحواء، والذي عليه عامة السلف أن القصة في آدم وحواء حتى قال الشارح الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: فإن نسبة ذلك إلى غير آدم وحواء هو من التفاسير المبتدعة. والذي يعرفه السلف أن الضمير يرجع إلى آدم وحواء، وسياق الآية لا يقتضي غير ذلك إلا بأوجه من التكلف، ولهذا قال الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله اعتمد هذا الذي عليه عامة السلف ففسر هذه الآية بأن المراد بها آدم وحواء، (فَلَمَّا ءَاتَاهُمَا) يعني آتى اللهُ آدمَ وحواء صالحا، وقوله (صَالِحاً) يعني من جهة الخلقة؛ لأنه كان يأتيهما ولد فيموت أو يكون معيبا فيموت، فالله جل وعلا رزقهما هذا الولد الصالح السليم في خلقته السليم في بنيته، وكذلك هو صالح لهما من جهة نفعهما، قال جل وعلا (جَعَلاَ لَهُ) ، (جَعَلاَ) يعني آدم وحواء (لَهُ) يعني لله جل وعلا، (شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا) ، وكلمة (شُرَكَاءَ) جمع الشريك، والشريك في اللغة هو المقصود بهذه الآية يعني هذه الآية فيها لفظ الشركاء، والمقصود بها معنى الشركة في اللغة، ومعنى الشركة في اللغة اشتراك اثنين في شيء، فجعلا لله شركاء فيما آتاهما؛ حيث سميا ذلك الولد عبد الحارث، والحارث هو إبليس ذلك أن إبليس كما سمعتم في القصة هو الذي قال إن لم تسمياه عبد الحارث لأفعلن ولأفعلن ولأجعلن له قرني أيِّل وهو ذكر الوعل، وفي هذا تهديد بأن يشق بطن الأم فتموت ويموت أيضا الولد، فلما رأت حواء ذلك وأنها قد مات لها عدة بطون فأطاعت الشيطان في ذلك، فصارت الشركة شركة في الطاعة، وآدم وحواء عليهما السلام قد أطاع الشيطان من قبل حيث أمرهما بأن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت