فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 260

يأكلا من الشجرة التي نهاهما الله جل وعلا عنها، فوقوع طاعة الشيطان من آدم وحواء عليما السلام, وقوع ذلك منهما لم يكن هذه هي أول مرة كما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «خدعهما مرتين» وهذا هو المعروف عند السلف.

فيكون -إذن- قوله (شُرَكَاءَ فِيمَا ءَاتَاهُمَا) من جهة التَّشريك في الطاعة، ومعلوم أن كل عاص هو مطيع للشيطان، وكل معصية لا تصدر من العبد إلا وثَم نوع تشريك حصل في الطاعة، لأنه إما أن يطيع هواه وإما أن يطيع الشيطان، ولهذا قال شيخ الإسلام وغيره من المحققين: إنه ما من معصية يعصي بها العبد ربه إلا وسببها طاعة الشيطان أو طاعة الهوى؛ وذلك نوع تشريك. وهذا الذي حصل من آدم وحواء عليهما السلام فهذا لا يقتضي نقصا في مقامهما، ولا يقتضي شركا بالله جل وعلا، وإنما هو نوع تشريك في الطاعة، والمعاصي جائزة -يعني المعاصي الصغار- جائزة على الأنبياء كما هو معلوم عند أهل العلم، فإن آدم نبي مكلم، وصغار الذنوب جائز على الأنبياء ولا تقدح في كمالهم؛ لأنهم لا يستقيمون عليها بل يسرعون وينيبون إلى الله جل وعلا، ويكون حالهم بعد ما وقع منهم ذلك أعظم من حالهم قبل أن يقع منهم ذلك؛ لأنهم يكون لهم مقامات إيمانية واعتراف بالعبودية أعظم وخضوع بين يدي الله أعظم، ومعرفة بتحقيق ما يجب لله جل وعلا وما يستحب أعظم.

إذن هذه القصة كما ذكرنا صحيحة، وآثار السلف الكثيرة تدل عليها، والسياق أيضا سياق الآيات في آخر سورة الأعراف يدل عليها.

والإشكال الذي أورده بعض أهل التفسير من المتأخرين في أن آدم وحواء جعلا لله شركاء هذا نص الآية ولا يمنع؛ ولأن التشريك هنا تشريك كما قلنا فيما يدل عليه المعنى اللغوي ليس شركا أصغر، وليس -وحاشاهم- شركا أعظم من ذلك وإنما هو تشريك في الطاعة، كما قال جل وعلا {أَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان:43] ، وكما قال أيضا في آية أخرى {أَفرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية:23] ، فكل من جعل هواه متَّبعا فقد جعله مطاعا، وهذا نوع تأليه؛ لكن ولا يقال عبد غير الله أو أله أشرك أو شرك بالله جل وعلا؛ لكن هو نوع تشريك، فكل طاعة للشيطان أو للهوى فيها هذا النوع من التشريك، إذْ الواجب على العبد أن يعظم الله جل وعلا وأن لا يطيع إلا أمره جل وعلا وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

فإذن ظاهر أن القصة لا تقتضي نقصا في مقام آدم عليه السلام ولا في مقام حواء؛ بل هو ذنب من الذنوب تابا منه كما حصل منهما أول مرة في الأكل من الشجرة.

بل إنّ أكلهما من الشجرة ومخالفة أمر الله جل وعلا أعظم من هذا الذي حصل منهما هنا وهو تسمية الولد عبد الحارث؛ وذلك أن الخطاب الأول كان من الله جل وعلا لآدم مباشرة، خاطبه الله جل وعلا ونهاه عن أكل هذه الشجرة، وهذا خطاب متوجه إلى آدم بنفسه.

وأما هذه التسمية فإنه لم يُنهَ عنها مباشرة، وإنما يفهم النهي عنها من وجوب حق الله جل وعلا، فذاك المقام زاد على هذا المقام من جهة خطاب الله جل وعلا على المباشر لآدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت