فهرس الكتاب
(باب قول الله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56] ) .
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أنّ الهداية من أعز المطالب وأعظم ما تعلق به الذين تعلقوا بغير الله أن يكون لهم النفع في الإستشفاع وفي التوجه في الدنيا والأخرى، والنبي عليه الصلاة والسلام -وهو سيد ولد آدم وهو أفضل الخلق عند ربه جل وعلا- نفي عنه أن يملك الهداية وهي نوع من أنواع المنافع، فدلّ على أنه عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء كما جاء في ما سبق في باب قول الله تعالى {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف:191] في سبب نزول قول الله تعالى {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] .
فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام ليس له من الأمر شيء ولا يستطيع أن ينفع قرابته, «يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا» إذا كان هذا في المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا يغني من الله جل وعلا من أحبابه شيئا وعن أقاربه شيئا، وأنه لا يملك شيئا من الأمر وأنه ليس بيده هداية التوفيق، فإنه أن ينتفي ذلك وما دونه عن غير النبي - صلى الله عليه وسلم - من باب أوْلى، فبطل إذن كل تعلق للمشركين من هذه الأمة بغير الله جل وعلا؛ لأن كل من تعلقوا به هو دون النبي عليه الصلاة والسلام بالإجماع.
فإذا كانت هذه حال النبي عليه الصلاة والسلام وما نُفي عنه فإن نفي ذلك عن غيره - صلى الله عليه وسلم - من باب أولى.
قال هنا (باب قول الله تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص:56] ) ، (لَا) هنا نافية، وقوله (تَهْدِي) الهداية المنفية هنا هي هداية التوفيق والإلهام الخاص والإعانة الخاصة، هي التي يُسميها العلماء هداية التوفيق والإلهام، ومعناها أنّ الله جل وعلا يجعل هداية التوفيق، معناها أن الله جل وعلا يجعل في قلب العبد من الإعانة الخاصة على قَبول الهدى ما لا يجعله لغيره، فالتوفيق إعانة خاصة لمن أراد الله توفيقه، بحيث يقبل الهدى ويسعى فيه، فجعل هذا في القلوب ليس إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء، حتى من أحب لايستطيع عليه الصلاة والسلام أن يجعله مسلما مهتديا، فمِن أنفع قرابته له أبو طالب ومع ذلك لم يستطع أن يهديه هداية توفيق، فالمنفي هنا هو هداية التوفيق.
والنوع الثاني من الهداية المتعلقة بالمكلف هداية الدلالة والإرشاد، وهذه ثابتة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بخصوصه، ولكل داع إلى الله ولكل نبي ورسول، قال جل وعلا {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد:7] ، وقال جل وعلا في نبيه عليه الصلاة والسلام {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى:52 - 53] ، (لَتَهْدِي) يعني تدل وترشد إلى صراط مستقيم بأبلغ أنواع الدلالة وأبلغ أنواع الإرشاد، الدلالة والإرشاد المؤيَّدان بالمعجزات والبراهين والآيات الدالة على صدق ذلك الهادي وصدق ذلك المرشد.
فإذن الهداية المنتفية هي هداية التوفيق، وهذا يعني أن النفع وطلب النفع في هذه المطالب المهمة يجب أن يكون من الله جل وعلا، وأن محمدا عليه الصلاة والسلام مع عِظم شأنه عند ربه وعِظم مقامه عند ربه وأنه سيد ولد آدم وأنه أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام وأشرف الأنبياء والمرسلين إلا أنه لا يملك من الأمر شيئا عليه الصلاة والسلام.