فهرس الكتاب
فبَطَل -إذن- تعلق القلوب في المطالب المهمة في الهداية وفي المغفرة وفي الرضوان وفي البعد -بعد الشرور- وفي جلب الخيرات إلا بالله جل وعلا فإنه هو الذي تتعلق القلوب به جل وعلا خضوعا وإنابة ورغبا ورهبا وإقبالا عليه وإعراضا عما سواه سبحانه وتعالى.
قال بعد ذلك (وفي الصحيح عن ابن المسيب، عن أبيه، قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) إلى أن قال (فقال له «يا عم! قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله» فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.) في هذا القدر من الفائدة أن هذه الكلمة كلمة (لا إله إلا الله) ليست مجردة عن المعنى، تنفع من قالها ولو لم يُقِرَّ بمعناها، والعرب كانوا لصلابتهم وعزتهم ورجولتهم ومعرفتهم بما يقولون كانوا إذا تكلموا بكلام يعون ما يتكلمون به، يعون كل حرف وكل كلمة خوطبوا به أو نطقوا به هم، فلما قيل لهم قولوا لا إله إلا الله مع أنها كلمة يسيرة لكن أبوا؛ لأنهم يعلمون أن هذه الكلمة معناها إبطال إلهة من سوى الله جل وعلا، ولهذا قال جل وعلا {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلهَِتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالَحَقِّ وَصَدَّقَ المُرْسَلِينَ} [الصافات:35 - 37] الآيات، وكذلك قوله في أول سورة ص فجاء قول الله جل وعلا مخبرا عن قولهم {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا} [ص:5] استنكروا لا إله إلا الله، وهذا هو الذي حصل مع أبي طالب حيث قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجّ لك بها عند الله) فلو كانت مجردة من المعنى عندهم أو يمكن أن يقولها دون اعتقاد وما فيها ورضى بما فيها ويقين وانتفاء الريب لقالها؛ ولكن ليس هذا هو المقصود من قول الله بل المقصود وهو قولها مع تمام اليقين بها وانتفاء الريب والعلم والمحبة إلى آخر الشروط.
(فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب) وهذا فيه والعياذ بالله ضرر جليس السوء على المجالس له، (فكان آخر ما قال هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لأستغفرن لك ما لم أنه عنك» ) وهذا هو موطن الشاهد من هذا الحديث، ومناسبة هذا الحديث لهذا الباب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (لأستغفرن لك) واللام هنا هي التي تقع في جواب القسم، فثَم قسم مقدر تقديره: والله لأستغفرن لك. وحصل من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن استغفر لعمه؛ ولكن هل نفع عمَّه استغفار النبي صَلَّى الله عليه وسلم له؟ لم ينفعه ذلك، وطلب الشفاعة والإستشفاع هو من جنس طلب المغفرة، فالإستغفار طلب المغفرة، والشفاعة قد يكون منها طلب المغفرة فرُدت، رُدّ ذلك لأن المطلوب له المستشفع له هو مشرك؛ لأن المستشفع له المشفوع له مشرك بالله، والإستغفار والشفاعة لا تنفع أهل الشرك، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يملك أن ينفع مشركا بمغفرة ذنوبه أو أن ينفع أحدا ممن توجه إليه بشرك في إزالة ما به من كربات أو جلب الخيرات له، لهذا قال (لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك) فأنزل الله عز وجل {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113] .
وهذا ظاهر في المقام أن الله جل وعلا نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يستغفر للمشركين.
وكلمة (مَا كَانَ) في الكتاب والسنة تأتي على استعمالين: