وقوله: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم:26] .
قوله: {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبإ:22 - 23] .
قال أبو العباس رحمه الله تعالى: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال تعالى: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] , فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم: «أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده -لا يبدأ بالشفاعة أولاً - ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع»
وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه» .
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله.
وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع. ليكرمه وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك. ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه رحمه الله.
[الشرح]
هذا باب الشفاعة، وإيراد هذا الباب بعد البابين قبله مناسب جدا، ذلك أن الذين يسألون النبي عليه الصلاة و السلام ويستغيثون به ويطلبون منه أو يسألون غيره من الأولياء أو الأنبياء إذا أقمت عليهم الحجة بما ذُكر من توحيد الربوبية، قالوا: نحن نعتقد ذلك؛ ولكن هؤلاء مقربون عند الله معظمون، ورفعهم جل وعلا عندهم ولهم الجاه عند الرب جل وعلا، وإذا كانوا كذلك فهم يشفعون عند الله؛ لأن لهم جاها عنده، فمن توجه إليهم أرضوه بالشفاعة وهم ممن رفعهم الله، ولهذا يقبل شفاعتهم.
فكأن الشيخ رحمه الله رأى حال المشركين وحال الخرافيين واستحضر حججهم وهو كذلك؛ إذ هو أَخْبَرْ أهل هذه العصور المتأخرة بحجج المشركين.
استحضر ذلك فقال لم يبق إلا الشفاعة لهم إذا حاججتم فهذا باب الشفاعة.
والشفاعة في الأصل مأخوذة من الشفع، والشفع هو الزوج؛ لأن الشافع طالب، فصار مع صاحب الطلب الأصلي شفعا، فواحد يريد شيئا فأتى الثاني يشفع له فصار شفعا، فسُميت شفاعة لأنه بعد أن كان صاحب الطلب واحدا صار شفعا بعد أن كان فردا، فسميت شفاعة لذلك.
والشفاعة هي الدعاء، وطلب الشفاعة هو طلب الدعاء، فإذا قال قائل: أستشفع برسول الله. كأنه قال: أطلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لي عند الله. فالشفاعة طلب، ولهذا من استشفع فقد طلب الشفاعة، فالشفاعة دعاء، وهي الدعاء أيضا.