فلهذا صار كل دليل تقدم لنا، وكل دليل في الكتاب أو في السنة فيه إبطال أن يدعى مع الله جل وعلا إلها آخر يصلح أن يكون دليلا للشفاعة؛ يعني لإبطال الاستشفاع بالموتى وبالذين غابوا عن دار التكليف، لأن حقيقة الشافع أنه طالب، وأن حقيقة المستشفع أنه طالب، فالشافع في ظن المستشفع يدعو، والمستشفع يدعو من أراد منه الشفاعة؛ يعني إذا أتى آتٍ إلى قبر النبي أو قبر ولي أو نحو ذلك فقال: استشفع بك أو أسألك الشفاعة. يعني طلب منه ودعاه أن يدعوا له.
فلهذا صار صرفها أو صار التوجه بها إلى غير الله جل وعلا شرك أكبر؛ لأنها في الحقيقة دعوة لغير الله؛ لأنها في الحقيقة سؤال من هذا الميْت، سؤال والتوجه بالطلب والدعاء من غير الله جل وعلا، فيتوجه إلى غير الله بالسؤال والطلب والدعاء.
إذن فالشفاعة عرفتَ معناها، وأنَّ التوجه إلى غير الله بالشفاعة -يعني بطلب الشفاعة- شرك أكبر إذا كان هذا المتوجَّه إليه من الأموات، أما إذا كان حياًّ فإنه في دار التكليف يُطلب منه أن يشفع عند الله بمعنى أن يدعُوَ وقد يجاب دُعاءه وقد لا يجاب، أو كما يحصل أن يشفع بعض الناس لبعض بالشفاعة الحسنة أو بالشفاعة السيئة، من يشفع شفاعة حسنة ومن يشفع شفاعة سيئة، فهذا يحصل لأنهم في دار تكليف ويقدرون على الإجابة، وقد أذن الله في طلب الشفاعة منهم بأن يدعوا، لهذا كان الصحابة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ربما أتى بعضهم النبي عليه الصلاة والسلام وطلب أن يشفع له -يعني أن يدعوا له-.
مسألة الشفاعة من المسائل التي تخفى على كثيرين، ولهذا وقع بعض أهل العلم في أغلاط من جهة طلب الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام، فأوردوا قصصا في كتبهم فيها استشفاع بالنبي عليه الصلاة والسلام دون إنكار -كما فعل النووي وكما فعل ابن قدامة في المغني ونحو ذلك-، وهذا لا يعدّ خلافا في المسألة؛ لأن هذا الخلاف راجع إلى عدم فهم حقيقة هذا الأمر.
ومسألة الشفاعة مسألة فيها خفاء، ولهذا يقول أهل العلم من أئمة الدعوة رحمهم الله: إقامة الحجة في مسائل التوحيد تختلف بحسب قوة الشبهة، فأقل الشبهات ورودا وأيسر الحجج قدوما على المخالف فيما يتعلق بأصل دعوة غير الله معه، وبالاستغاثة بغير الله وفي الذبح لغير الله ونحو ذلك، ومن أكثرها اشتباها إلا على المحقق من أهل العلم مسألة الشفاعة.
ولهذا الشيخ رحمه الله أتى بهذا الباب وقال (باب الشفاعة) ، وبين لك بما ساق من الأدلة من الكتاب والسنة أن الشفاعة لا تصح إلا بشروط، فالشفاعة التي تنفع فإنها لا تصح إلا بشروط، وكذلك هناك شفاعة منفية، ليست كل شفاعة تقبل، وإنما هناك شفاعة تقبل وهناك شفاعة تردُّ، تقبل بشروط وتردُّ أيضا بأوصاف.
فإذن صار عندنا أن الشفاعة قسمان في القرآن والسنة: شفاعة منفية وشفاعة مثبتة.