فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 260

قال (فَقَدْ سَحَرَ) لأن الجني يخدم هذا السحر بالنفث في العقدة، وفائدة العقدة عند السحرة أنه لا ينحلْ السحر ما دامت معقودة، فينعقد الأمر الذي أراه السحر بشيئين: العقدة وبالنفث. العقدة عقدة حبل أو خيط أو نحو ذلك، وبالنفث فيها بالأدعية الشركية والاستعانة بالشياطين.

ومن الأمور المهمة أن تُعلم في هذا الباب أن العقد هذه تارة تكون مرئية واضحة، وتارة تكون صغيرة جدا، [وما كان صغيرا جدا أو ما كان مرئيا فإنه ينبغي لمن اطلع عليه أو نظر فيه أن يحل العقدة فينتهي تأثير السحر بإذن الله أو يضعف تأثيره.] [1]

قال (وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) هذا عام؛ لأنه رتَّب جزاء على فعل بصيغة (مَنْ) كأنه قال: كل من سحر فقد أشرك. يعني سحر بذلك النحو الذي ذُكر وهو أن يعقد عقدة ثم ينفث فيها، (مَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) هذا دليل لما ذكرنا لكم في الباب قبله أنّ كل سحر يعدّ من أنواع الشرك؛ لأنه لا يمكن أن يحدث السحر إلا بالنفث في العقد أو باستحضار الجن وبعبادة الجن ونحو ذلك وهذا شرك بالله، [قوله (وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) ليس معناه أنه أشرك بعقد العقدة مثلا، وإنما (فَقَدْ أَشْرَكَ) يعني حين سحر. ومن المعلوم أنه قبل أن يعقد العقدة وينفث فيها فلا بد من تعلمه؛ ولهذا يكون مشركا قبل أن يعقد وينفث ما دام أنه تعلم ذلك ليعمل به فإنه مشرك بالله؛ لأن تعلمه فيه الشرك بالله جل وعلا.] [2]

قال (وَمَنْ تَعَلّقَ شَيْئاً وُكّلَ إلَيْهِ) هذا مر معنا مثاله ومعنى هذا الحديث وأن القلب إذا تعلق شيئا بمعنى أحبه ورضيه وتعلق القلب به فإنه يوكل إليه ويُجعل هو السبب الذي من أجله يجيء نفعه أو يجيء ضره.

ومعلوم أن كل الأسباب الشركية تعود فاعلها أو على الراضي بها بالضر لا بالنفع، والعبد إذا تخلى عن الله جل وعلا ووكل إلى نفسه أو وكل إلى غير الله جل وعلا فقد خاب وخسر وضُرَّ أعظم الضرر، فسعادة العبد وعِظم صلاح قلبه وعظم صلاح روحه بأن يكون تعلقه بالله جل وعلا وحده.

وقوله هنا (وَمَنْ تَعَلّقَ شَيْئاً وُكّلَ إلَيْهِ) فإن من تعلق بالله فإن الله كافيه، من تعلق قلبه بالله إنزالا لحوائجه بالله ورغبا فيما عند الله ورهبا مما يخافه ويؤذيه -يعني يؤذي العبد-؛ فإنس الله جل وعلا كافيه ومن يتوكل على الله فهو حسبه، وإذا تعلق العبد إلى غير الله فإنه يكون إلى ذلك العبد، والعباد فقراء إلى الله والله جل وعلا هو ولي النعمة وولي الفضل {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15] ، فمن أنزل حاجته بالله أفلح، ومن تعلق قلبه بالله أفلح، وأمّا من تعلق بالخرافات أو تعلق بالأمور الشركية كالسحر وكالذهاب إلى الأولياء وطلب المدد منهم أو طلب الإغاثة منهم فإنه يوكل إلى المخلوق، ومن وكل إلى المخلوق فإنه يضره ذلك أعظم الضرر كما قال جل وعلا {يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ} [الحج:13] .

(1) سقط من الأشرطة، وقد نقلته عن تفريغ جامع ابن تيمية.

(2) سقط من الأشرطة، وقد نقلته عن تفريغ جامع ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت