فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 260

والسحر شيء خفي يؤثر على النفوس، والعيافة من التأثر بالطير وبزجرها وبانتقال من هنا إلى هنا أو بحركتها شيء خفي دخل في النفس فأثر عليها من جهة الإقدام أو الكف، فصار نوعا من السحر لأجل ذلك، وهو جبت لأنه شيء مرذول أدّى إلى الإقبال أو الامتناع.

والطِّيَرَة أعم من العيافة؛ لأن العيافة على حسب تفسير عوف وهو أحد تفسيراتها متعلق بالطير وحده، وأما الطيرة فهو اسم عام لما فيه تشاؤم أو تفاؤل بشيء من الأشياء.

وسيأتي باب مستقل لذكر أحكام الطِّيرة وصورتها وما يقي منها يأتي إن شاء الله تعالى.

وحقيقة الطيرة أنه يرى شيئا كان في الأول من الطير تحرك يمينا أو يسارا، فلما رآه تحرك يمينا قال هذا تفاؤل أنني سأنجح في هذا العمل أو في هذا السفر، وإذا رآه تحرك شِمالا قال هذا معناه أني سأنضرُّ في هذا السفر أو سيصيبني مكروه فرجع، وقد قال عليه الصلاة والسلام «من ردّته الطيرةُ عن حاجته فقد أشرك» ، قد يتشاءم بحركة شيء، بكلمة يسمعها، بشيء في الجو, بتصادم سيارة أمامه, بسواد في الجو حصل أمامه أو في ذلك اليوم الذي سينتقل فيه، أو تشاءم بشيء حصل له في أول زواجه ونحو ذلك من أنواع التشاؤم، أو التشاؤم بالأشهر أو بالأيام، هذا كله من أنواع الطيرة.

ومتى يكون طيرة؟ إذا رده عن حاجته أو جعله يُقْبِلُ عن حاجته، فإذا تشاءم وذلك التشاؤم حينما سيْطر على قلبه جعله يقبل أو يحجم فإنه يكون متطيرا.

وكذلك في باب التفاؤل إذا رأى شيئا فجعله ذلك الشيء يقدم ولو لذلك الشيء أنه رآه لما جعله يقدم، فإن ذلك أيضا من الطيرة وهو نوع من أنواع التأثيرات الخفية على القلوب، وذلك ضرب من السحر.

وأمّا الطَّرق فهو مأخوذ من وضع طرق في الأرض وهي في الخطوط، فيأتي بخطوط متنوعة ويخطها في الأرض، خطوط كثيرة ليس لها عدد، ثم يبدأ الكاهن الذي يستخدم الخطوط فيمسح خطا خطا، أو يمسح خطين خطين بسرعة، ثم ينظر ما بقي فيقول هذا الذي بقي يدل على كذا وكذا، هذا الذي بقي يدل على أنك ستغتني، يدل على أنك سيصيبك كذا وكذا ونحو ذلك، وهو نوع من أنواع الكِهانة، والكهانة ضرب من السحر.

قال هنا (والطّرْقُ الْخَطّ يُخَطّ فِي الأرْضِ، والجبت: قال الحسن: رنة الشيطان) وهو من أنواع السحر؛ لأن الشيطان يدعو إلى ذلك بصوته وبعويله.

نقف عند هذا، ونكمل إن شاء الله يوم السبت ونرجوا من يوم السبت مع طول الزمن أن ننتهي من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى في الأسبوع القادم، قد نختصر بعض الاختصار في بعض الأبواب لأجل أن ينهى الكتاب مع عدم إخلال -إن شاء الله- بمقاصد المؤلف رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة.

هذا وأسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح والإقبال على الخيرات وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. [1]

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما وعملا ويقينا وصلاحا يا أرحم الراحمين.

أما بعد:

[قد ذكرنا أن هذا الباب عقده الإمام رحمه الله تعالى لبيان أن هناك من الأعمال ما أطلق عليه أنه سحر، ولكن لا يشترك مع السحر في الذي في الباب قبله في جميع الأحكام، ثم إن بعض هذه الأنواع يجهل كثير من المسلمين أنها من السحر فتارة يدخلونها في غير باب السحر، وهي مع السحر مشتركة في حقيقته وفي بيان أصله أو في أصله ووضعه اللغوي.] [2]

وقفنا عند قوله (وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النّجُومِ، فقد اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» . رواه أبو داود، وإسناده صحيح) هذا فيه بيان أن تعلم النجوم تعلم للسحر، ويأتي في باب خاص (باب ما جاء في التنجيم) أنواع تعلم النجوم وما جعل الله جل وعلا النجوم له.

قوله هنا (مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً) يعني من تعلم بعض من علم النجوم؛ لأن الشعبة هي الطائفة من الشيء أو جزء من أجزائه فكل جزء من أجزاء علم النجوم الذي هو علم التأثير نوع من أنواع السحر، قال (فقد اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السّحْرِ زَادَ مَا زَادَ) يعني كل ما زاد في تعلم علم النجوم كلما زاد في تعلم السحر حتى يصل إلى آخر حقيقة علم التأثير -كما يسمونه- فيصبح سحرا وكهانة حقيقة.

ويأتي أن التنجيم منه, علم التأثير وهو جعْل الكواكب والنجوم في حركتها والتقاءها وافتراقها وطلوعها وغروبها مؤثرة في الحوادث الأرضية أو دالة على ما سيحدث في الأرض، فيجعلونها دالة على علم الغيب، دالة على المغيبات.

وهذا القدر من السحر؛ لأنه يشترك معه في حقيقته لأنه جعْلٌ للتأثير لأمر خفي.

قال (وللنسائي من حديث أبي هريرة: «مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلّقَ شَيْئاً وُكّلَ إلَيْهِ» ) قوله (مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ) أنّ عقد العقد والنفث فيها من أنواع السحر، والنفث المقصود به هنا النفث الذي فيه استعاذة واستعانة بالشياطين، فليس كل نفث في عقدة يعقد السحر؛ بل لابد أن يكون النفث بأدعية معينة ورقى شركية وتعويذات وكلام تَحْضُر الجن عند تلاوته وتخدم هذه العقدة السحرية.

(مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ) على ما كان يتعاطاه الناس المردة في ذلك الزمان؛ زمان النبي عليه الصلاة والسلام من النفث في العقد كما قال جل وعلا {وَمِن شَرِّ النَّفًّاثَاتِ فِي العُقَدِ} [الفلق:4] وهن السواحر.

(1) انتهى الشريط التاسع.

(2) سقط من الأشرطة، وقد نقلته عن تفريغ جامع ابن تيمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت