فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 260

والتوكل على المخلوق فيما لا يقدر عليه المخلوق، وهذا يكثر عند عباد القبور والمتوجهون إلى الأولياء والموتى، هذا شرك مخرج من الملة.

وحقيقة التوكل الذي ذكرناه لا يصلح إلا لله جل وعلا؛ لأنه تفويض الأمر إلى من بيده الأمر، والمخلوق ليس بيده الأمر, التجاء القلب وطمع القلب ورغب القلب في تحصيل المطلوب، إنما يكون ذلك ممن يملكه وهو الله جل وعلا، أما المخلوق فلا يقدر على شيء استقلالا، وإنما هو سبب، فإذا كان سببا لا يجوز التوكل عليه؛ لأن التوكل عمل القلب، وإنما يجعله سببا بأن يجعله شفيعا يجعل واسطة ونحو ذلك، فهذا لا يعني أنه متوكل عليه، فيجعل المخلوق سببا فيما أقدره الله عليه ولكن يفوض أمر النفع بهذا السبب إلى الله جل وعلا، فيتوكل على الله ويأتي بالسبب الذي هو الانتفاع من هذا المخلوق بما جعل الله جل وعلا له من الانتفاع أو من القدرة ونحو ذلك.

قال الإمام رحمه الله (باب قول الله تعالى {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة:23] ) هذه الآية فيها الأمر بالتوكل، ولما أمر به علمنا أنه من العبادة، ولمّا قدم الجار والمجرور في قوله (وَعَلَى اللَّهِ) قدمه على ما يتعلق به وهو الفعل (تَوَكَّلُوا) دل على وجوب إفراد الله جل وعلا بالتوكل، وأن التوكل عبادة يجب أن تحصر وتقصر في الله جل وعلا, هذا وجه الدلالة من الآية.

ودليل آخر في هذه الآية وهو قوله (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) جعل الإيمان لا يصحّ إلا بالتوكل، قال (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا) يعني أفردوا الله بالتوكل وحده إن كنتم مؤمنين، فجعل الشرط (إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) فأفردوا الله بالتوكل، فجزاء الشرط هو إفراد الله بالتوكل. فصارت دلالة الآية من جهتين.

وكذلك قوله جل وعلا في آية سورة يونس {إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُم مُّسْلِمِينَ} [يونس:84] ، قال (فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا) أفرد التوكل به جل وعلا وأمر به، فقدم الجار والمجرور بما يفيد الحصر والقصر والاختصاص بالله جل وعلا، ثم جعل إفراد التوكل به جل وعلا شرط في صحة الإسلام فقال (إِنْ كُنْتُم مُّسْلِمِينَ) .

فهذه الآيتان دلتا على أن التوكل عبادة وأن أفراد الله به جل وعلا واجب وأنه شرط في صحة الإسلام وشرط في صحة الإيمان، وهذا كله يدل على أن انتفاءه مُذْهب لأصل التوحيد ومناف لأصله إذا توكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله جل جلاله.

قال (وقوله {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال:2] ) وجه الدلالة من الآية أنه وصف المؤمنين بهذه الصفات الخمس، وآخرها قوله (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، وظاهر من دلالة الآية حيث قدم الجارّ والمجرور على أنهم أفردوا التوكل بالله جل وعلا، فوصف المؤمنين بهذه الصفات فدل على أن هذه هي أعظم مقامات أهل الإيمان، وأن هذه العبادات الخمس هي أعظم المقامات، وهذا عظيم التنبه له إذْ كل أمور الدين والعبادات والفروع العملية التي يعملها العبد إنما هي فرع عن تحقيق هذه الخمس التي جاءت في هذه الآية (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) وهذه الصفة تجمع الكلمات الشرعية وتجمع الدين جميعا؛ لأن ذكر الله فيه القرآن وفيه السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت