فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 260

وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «قال الّلهُ تعالى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ. يَسُبّ الدّهْرَ. وَأَنَا الدّهْرُ. أُقَلّبُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ» . وفي رواية: «لاَ تَسُبّوا الدّهْرَ. فَإِنّ اللّهَ هُوَ الدّهْرُ» .

[الشرح]

(باب من سبّ الدهر فقد آذى الله) ؛ الدهر هو الزمان؛ اليوم، والليلة, أسابيع، الأشهر، السنون، العقود، هذا هو الدهر، وهذه الأزمنة مفعولَة؛ مفعول بها لا فاعلة، فهي لا تفعل شيئا وإنما هي مسخرة؛ يسخرها الله جل جلاله، وكلٌّ يعلم أن السنين لا تأتي بشيء، وإنما الذي يفعل هو الله جل وعلا في هذه الأزمنة، ولهذا صار سبّ هذه السنين سبًّا لمن تصرف فيها وهو الله جل جلاله.

لهذا عقد هذا الباب بما يبين أن سب الدهر ينافي كمال التوحيد، وأن سب الدهر يعود على الله جل وعلا بالإيذاء؛ لأنه سبٌّ لمن تصرف بهذا الدهر.

ومناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، وهو أن سب الدهر من الألفاظ التي لا تجوز، والتخلص منها واجب، واستعمالها مناف لكمال التوحيد، وهذا يحصل من الجهلة كثيرا، فإنه إذا حصل لهم في زمان شيئا لا يسرهم سبوا ذلك الزمان، ولعنوا ذلك اليوم أو لعنوا تلك السنة أو لعنوا ذلك النهار ونحو ذلك من الألفاظ الوبيلة، أو شتموا الزمان وهذا لا يتوجه إلى الزمن؛ لأن الزمن شيء لا يَفعل وإنما يُفعل فيه وهو أذية لله جل وعلا.

(باب من سب الدهر) السب يكون بأشياء، والسب في أصله التنقص أو الشتم، فيكون بتنقص الدهر، أو يكون بلعنه، أو بشتمه، أو بنسبة النقائص إليه، أو بنسبة الشر إليه، ونحو ذلك، وهنا كله من أنواع سبه، والله جل وعلا هو الذي يقلب الليل والنهار.

قال (فقد آذى الله) ولفظ (آذى الله) لأجل الحديث -حديث أبي هريرة- (قال الّلهُ تعالى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ. يَسُبّ الدّهْرَ. وَأَنَا الدّهْرُ. أُقَلّبُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ) ففيه رعاية للفظ الحديث.

سب الدهر -كما ذكرنا- محرم وهو درجات، وأعلاه لعن الدهر؛ لأن توجه اللعن إلى الدهر أعظم أنواع المسبة وأعظم أنواع الإيذاء، وليس من مسبة الدهر وصف السنين بالشدة، ولا وصف اليوم بالسواد، ولا وصف الأشهر بالنحس ونحو ذلك، لأن هذا مقيّد وهذا جاء في القرآن في نحو قوله جل وعلا {فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ} [فصلت:16] ، (فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) وصف الله جل وعلا الأيام بأنها نحسات، المقصود في أيام نحسات عليهم، وصف الأيام بالنحس؛ لأنه جرى عليهم فيها ما فيه نحس عليهم، ونحو ذلك قوله جل وعلا في سورة القمر {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ} [القمر:19] ، (يَوْمِ نَحْسٍ) أو يقول يوم أسود أو سنة سوداء، هذا ليس من سب الدهر لأن المقصود بهذا الوصف ما حصل فيها كان من صفته كذا وكذا على هذا المتكلم.

وأما سبه أن ينسب الفعل إليه فسب الدهر لأجل أنه فعل به ما يسوؤه، فهذا هو الذي يكون أذية لله جل وعلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت