فهرس الكتاب

الصفحة 189 من 260

جعلوهم سببا لما حصل لهم، قال جل وعلا (أَلاَ إِنَّمَا طَاِئُرُهْم عِندَ اللهِ) ، (طَاِئُرُهْم) يعني ما يطير عنهم من عمل صالح أو طالح وأنهم يستحقون الحسنات أو يستحقون السيئات كل هذا عند الله جل وعلا، أو أن معنى قوله (أَلاَ إِنَّمَا طَاِئُرُهْم عِندَ اللهِ) يعني أن سبب ما يأتيهم من الحسنات أو ما يأتيهم من السيئات أن ذلك من جهة القضاء و القدر فهو عند الله جل و علا.

ومناسبة هذه الآية لهذا الباب أن هذه الخصلة من صفات أعداء الرسل من صفات المشركين، فالتطير من صفات أهل الإشراك، من صفات أعداء الرسل، وإذا كان كذلك فهو مذموم ومن خصال المشركين الشركية، وهذا هو سبب إيراد الآية تحت هذا الباب من جهة أنه خصلة من خصال أعداء الرسل، وليست من خصال أتباع الرسل، وإنما أتباع الرسل فإنهم يعلقون ذلك بما عند الله من القضاء والقدر، أو بما جعله الله جل وعلا من ثواب أعمالهم أو العقاب على أعمالهم كما قال ألا إن طائرهم عند الله.

وكذلك ما أورده من الآية الثانية وهي قوله (وقوله: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ} الآية [يس:19] ) وهي من سورة يس (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) الذي تطيّر أولئك هم المشركون أصحاب تلك القرية حيث قالوا: {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يس:18] ؛ قال أتباع الرسل (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ) يعني حقيقة سبب السيئات عليكم أو سبب قدوم الحسنات عليكم هذه من شيء فيكم، فالسوء الذي سينالكم والعقاب الذي سينالكم ملازم لكم ملازمة ما يطير عنكم لكم، فما يطير عنكم من عمل سوء ومن معاداة للرسل وتكذيب للرسل، هذا ملازم لكم وستتطيرون به، قال (طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ) لأنه من جهة أنهم فعلوا السيئات وكذّبوا الرسل وهذا سيقع عليهم وباله.

ومناسبة هذه الآية للباب كمناسبة الآية قبلها من أنَّ هذه هي قَالَة المشركين وأعداء الرسل.

قال (وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ، وَلاَ هَامَةَ، وَلاَ صَفَرَ» . أخرجاه، زاد مسلم: «وَلاَ نَوْءَ، وَلاَ غُولَ» ) مناسبة هذا الحديث للباب قوله (وَلاَ طِيَرَةَ) ومن المعلوم أن المنفي هنا ليس هو وجود الطيرة؛ لأن الطيرة موجودة من جهة اعتقاد الناس ومن جهة استعمالها؛ ولكنها باطلة، كذلك العدوى موجودة من جهة الوقوع.

ولهذا قال العلماء النفي هنا راجع إلى ما تعتقده العرب ويعتقده أهل الجاهلية بأن (لاَ) نافية للجنس واسمها مذكور وخبرها محذوف لأجل العلم به، فإن الجاهليين ينازعون في أصل وجود هذه الأشياء، فإنما الجاهليين يؤمنون بوجود هذه الأشياء ويؤمنون أيضا بتأثيرها، فالمنفي ليس هو وجودها وإنما هو تأثيرها، فيكون التطبيق هنا لا عدوى مؤثرة بطبعها ونفسها، وإنما تنتقل العدوى بإذن الله جل وعلا، وأهل الجاهلية يعتقدون أن العدوى تنتقل بنفسها، فأبطل ذلك الله جل وعلا، فأبطل ذلك لاعتقاد، فقال عليه الصلاة والسلام (لاَ عَدْوَى) يعني مؤثرة بنفسها، (وَلاَ طِيَرَةَ) مؤثرة أيضا، فإن الطيرة شيء وهمي يكون في القلب لا أثر له في قضاء الله وفي قدره، فحركة الطائر يمينا أو شمالا أو السانح أو البارح أو النطيح أو القعيد لا أثر لها في حكم الله وفي ملكوت الله وفي قضائه وقدره، فإذن الخبر قوله تقدره بقوله: لا طيرة مؤثرة؛ بل الطيرة شيء وهمي، ولا هامة ولا صفر إلى آخر الحديث.

وسبق أن ذكرتُ لكم أن خبر (لا) النافية للجنس يحذف كثيرا في لغة العرب كما قال بن مالك في آخر باب لا النافية للجنس في الألفية:

وَشَاعَ فِي ذَا الْبَابِ إِسْقَاطُ الخَبَر ... إِذَا الْمُرَادُ مَعْ سُقُوطِهِ ظَهَر

وهذا مهم في العربية.

قال (ولهما عن أنسٍ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لاَ عَدْوَىَ، وَلاَ طِيَرَةَ) يعني لا عدوى مؤثرة بنفسها؛ بل بإذن الله جل وعلا ولا طيرة مؤثرة أصلا، وإنما ذلك راجع إلى قضاء الله وقدره، قال (وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ. قالوا: وما الفأل؟ قال: «الْكَلِمَةُ الطّيّبَةُ» ) ، (الْفَأْلُ) كان عليه الصلاة والسلام يحبه وفسره بأنه الكلمة الطيبة، لأن الكلمة الطيبة إذا سمعها فتفاءل بها أنه سيحصل له كذا وكذا من الخيرات، ففيها أنها حسن ظنٍّ بالله جل وعلا، الفأل حسن ظن بالله، والتشاؤم سوء ظن بالله جل وعلا، ولهذا صار الفأل ممدوحا ومحمودا وصار الشؤم مذموما، والفأل ممدوح من جهة أنه فيه تحسين الظن بالرب جل وعلا، وهذا مأمور العبد به، لهذا كان عليه الصلاة والسلام يتفاءل، وكل ذلك من تعظيم الله جل وعلا وحسن الظن به وتعلق القلب به وأنه لا يفعل للعبد إلا ما هو أصلح له.

قال (ولأبي داود -بسند صحيح- عن عُقبة بن عامر، قال: ذُكِرَتِ الطّيَرَةُ عِنْدَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أحْسَنُهَا الْفَأْلُ» ) الطيرة يعني التأثر بالكلمة؛ لأننا ذكرنا لكم أن الطيرة عامة تشمل الأقوال والأعمال التي تحصل أمام العبد، فإذا كان ثَم تطير فإن أحسنه الفأل يعني أن يقع في قلبه أنه سيحصل له كذا وكذا من جراء كلمة سمعها أو من جراء فعل حصل له أحسن ذلك الفأل، وغيره مذموم، لِم كان الفأل محمودا وممدوحا ومأذونا به؟ لما ذكرنا من أنمه إذا تطير متفائلا فإنه محسن الظن بالله جل وعلا، وأمّا الفأل في نفسه فهو مطلوب لأن التفاؤل يشرح الصدر ويُونس العبد ويُذهب الضيق الذي يُوحيه الشيطان ويسببه الشيطان في قلب العبد، والشيطان يأتي للعبد فيجعله يَتوهم أشياء وأشياء كلها في مضرَّته، فإذا فتح العبد على قلبه باب التفاؤل أبعد عن قلبه باب تأثير الشيطان على النفس.

قال (وَلاَ تَرُدّ مُسْلِماً) ، (لاَ تَرُدّ مُسْلِماً) هذا خبر لكنه مضمن للنهي، وقد ذكرت لكم أن النهي قد يُعدل عنه للخبر، كما أنّ الأمر قد يعدل عنه إلى الخبر لتأكيد النهي ولتأكيد الأمر، قال {وَللهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّة} [النحل:49] هذا خبر لكنه كالأمر المؤكد، هذا خبر مثبت، والخبر المنفي كقوله هنا (لاَ تَرُدّ مُسْلِماً) هذا خبر؛ لكن فيه النهي أن ترد الطيرة مسلما عن حاجته، فإذا ردّته عن حاجته فقد حصل له الشرك بالتطير.

قال (فَإذا رَأَى أحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ اللّهُمّ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلاّ أنْتَ وَلاَ يَدْفَعُ السّيّئَاتِ إلاّ أنْتَ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوّةَ إلاّ بِكَ) هذا دعاء عظيم في دفع ما يأتي للقلب من أنواع التشاؤم وأنواع الطيرة.

قال (وعن ابن مسعود مرفوعاً: «الطّيَرَة شِرْكٌ، الطّيَرَةُ شِرْكٌ، الطّيَرَةُ شِرْكٌ، وَمَا مِنّا إلاّ وَلَكِنّ الله يُذْهِبُهُ بِالتّوَكّلِ» ) قال (الطّيَرَةُ شِرْكٌ) يعني الشرك الأصغر بالله جل وعلا، قال (وَمَا مِنّا إلاّ) يعني إلا وقد أتى لِقلبه بعض التطير؛ لأن هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت