وإذا نظرنا إلي سيدنا محمد ومنزلته بين الأنبياء أتضح أنه وأن أشترك مع أخوانه الأنبياء في أن الله تعالى جملهم بالأخلاق العالية، وحفظهم من كل النقائص البشرية، إلا أن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - امتاز بكمال تلك الأخلاق فيه أكثر من غيره، فمن عليه بتلك النعم الكاملة التي تستتبع أثارًا تناسبها، فالمصلحة والحكمة تقضي بأن يكون الكل خاضعين لقانون واحد، يكفل مصالحهم ويحثهم على التعاون، والتآخي، لهذا جاء القرآن الكريم معلنا بعموم رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنها لا تختص بزمان ولا مكان، ولا بطائفة دون طائفة، أنها محولة للناس من تقاطع وتباغض إلى اتحاد وألفة ومن تعدد معبودات باطلة إلى الالتفاف حول معبود واحد، هو الموجد للمخلوقات، المستحق للعبادة وهو الرحيم بهم [1] . وهناك كثير من النصوص في القرآن الكريم وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - تؤكد عموم بعثته - صلى الله عليه وسلم - وعالمية رسالته، ومن هذه النصوص:
وقال: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] .
وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .
وقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28] .
وقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] .
ويلاحظ أن كل هذه الآيات التي تؤكد عالمية الرسالة الإسلامية آيات مكية نزلت في وقت يعيش المسلمون فيه مضطهدين لا يملكون الدفاع عن أنفسهم، أفلا يعد ذلك لونا من الإعجاز القرآني لأنه كالوعد الإلهي بأن يسري نور الإسلام في الآفاق كلها؟! أو لا يكون ذلك تأكيدًا على أن عالمية الإسلام ليست اجتهاد ولا أدعاء وإنما هي حقيقة مقررة مؤكدة منذ اليوم الأول لرسالة الإسلام لا تعرف تحويلها ولا تبديلا؟! [2]
(1) راجع: الشيخ محمود أبو دقيقة، القول السديد في علم التوحيد، مطبعة العلوم، 1933، ص 44 - 45.
(2) راجع: محمد سيد أحمد المسير، مصدر سابق، ص 245.