والإسلام لم يجعل الإكراه وسيلة من وسائل الدخول فيه، بل جعل وسيلة ذلك إعمال العقل والفكر في حرية ودون أي قيود فقال - سبحانه وتعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ { [البقرة: 256] وإنما مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - هى البلاغ بالدعوة ابتداء، والتبيان بالحجة انتهاء: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ { [الشورى: 48] .
فلم يكن السيف لقهر الناس وإجبارهم على اعتناق الإسلام، وإنما لضمان حرية الرأي والتخيلية بين الناس والدعوة إلى الله، ثم بعد ذلك: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
ولو أن الإسلام قهر الشعوب بالسيف - كما يزعمون - فكيف نفسر وجود أبناء ديانات أخرى في البلاد المسيحية، وما بقى في البلاد المفتوحة من يعتنق غير الإسلام سواء عن قناعة أو قهر وما بقيت معابد النار تملأ بلاد فارس وكرمان وخراسان بعد فتح المسلمين لهذه البلاد .. ولكن شاءت إرادة الله أن يُحمل السيف لا ليقهر الناس ولكن ليؤدب به الذين يحولون دون وصول العقيدة الصحيحة للناس ثم بعد ذلك من شاء آمن ومن شاء بقى على عقيدته. ولذلك كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لرجاله:"تألفوا الناس وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر ولا وبر، أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم" [1] .
إن نبينا محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد جعل ميدان القتال - كما ذكرنا سابقًا - ميدانًا للتحضر الإنساني الراقي. فأعلن القانون الإسلامي العظيم الذي يجمع فيه أصول الرحمة - وهى الاعتبارات الإنسانية - مع الملحمة - وهى المتطلبات الضرورية. فقال - صلى الله عليه وسلم: (أنا نبي المرحمة، وأنا نبي الملحمة) وهما متناقضين لم يستطع أي قانون بشرى أن يوفق بينهما. وذلك حتى يستقر في قلب المسلم المجاهد بأن يضرب بيد العدالة لا بيد البطش والتنكيل،
(1) راجع: محمد أبو زهرة، خاتم النبيين القاهرة، دار الفكر العربي، ص 2.