في هذه الفترة، نرى أنوار رحمته تفيض على زوجته عائشة، حين تشرب فيبحث عن موضع شفتيها ليشرب منه. وكأن لسان حاله يخبرها بأنه إلى جوارها، يحنو عليها، ويحبها، ويقدر ما هي فيه من ألم نفسي وعضوي. وهذا في حد ذاته قمة الإنسانية؛ أن تحتمل من تحب في لحظات ضعفه وتحنو عليه وترحم آلامه، لا أن تتجاهل مشاعره أو تضغط عليه وتحمّله عبئًا فوق عبئه.
ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان لين الطابع مع أهل بيته، كما أخبرتنا السيدة عائشة - رضي الله عنها - تقول:"كنت إذا هَوَيْتُ شيئًا تابعني - صلى الله عليه وسلم - عليه. كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه" [1] .
وفي حديث آخر، تقول السيدة عائشة - رضي الله عنها:"وكان يتكئ في حجري ويقرأ القرآن" [2] .
وربما انتاب المرأة القلق على حياتها مع من تحب. فطبيعة المرأة النفسية تجعلها قلقة من حين إلى آخر على مكانتها لدى زوجها، وعلى مشاعر زوجها تجاهها مما يجعلها تبدي أنواعا من السلوك لا تتفق مع طبيعتها التي اعتادها زوجها.
ودواعي الرحمة تقتضي أن يبث الزوج مشاعر الاطمئنان في قلب زوجته، حتى لو كانت ظنونها لا أساس لها من الصحة، لا أن يصفها بالقلقة أو المتشائمة، أو أن يستغل هذا القلق لصالحه فيزيد من قلقها من أجل استمتاع يجده في قلقها على مكانتها لديه.
فالمرأة تبحث دوما عن الأمان، وربما تحاول أن تنتزع كلمة من زوجها تؤكد لها استمرار ذلك الأمان.
(1) رواه أبو داود.
(2) رواه البخاري.