ويدل على ذلك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين أسلموا كانوا قد قبضوا أموالًا بالربا وبالعقود الفاسدة والميسر وغير ذلك، فمع ذلك لم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يتخلصوا منها، ومما يؤيد ذلك أيضًا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا} ماذا؟ {مَا بَقِيَ} [البقرة: 278] قال: ما بقي، ما قال: ما سلف، أو ما أخذتم من الربا، قال: {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا} [البقرة: 278] يعني الشيء الذي لم يقبض وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، وأيضًا يفتي به فضيلة الشيخ ابن عثيمين رحمة الله عليه، وهذا في الحقيقة مُحفز لمن عصى الله تعالى أن يبادر بالتوبة، فالأمر سهل في طريقه، ليس عليه إلا أن يتوقف ويندم على ما مضى ويعزم على ألا يعود، وبإذن الله تعالى تنقلب الأموال التي كان قد أخذها بالربا تنقلب في حقه بدلًا من أن تكون سيئات تصبح حسنات، ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الذي يقول على هذا المرابي أن يطهر ويتخلص من الأموال الربوية التي كان قد قبضها، يقول: كيف تأمره أن يتخلص من الحسنات؛ هذه الأموال أصبحت في حقه، ماذا؟ حسنات إذا صدق في توبته؛ لأن الله أبدلها له حسنات، فكذلك نقول: من دخل في الصناديق أو دخل في الأسهم فاشترى أسهمًا محرمة وأراد أن يتوب نقول: ليس عليك إلا أن تبيع حصصك في الصناديق أو في الأسهم ولك جميع المال ولا يلزمك أن تتخلص من شيء منه لكن عليك ألا تعاود الأمر مرةً أخرى، وألا تشتري إلا شيئًا مباحًا.
نرجع إلى موضوعنا وهو الخدمة نعم الرابعة قلنا نعم، الخدمة الرابعة من التورق، من الخدمات الاستثمارية وهو التورق المصرفي، والتورق الذي تقدمه البنوك هو على نوعين.
النوع الأول: التورق الحقيقي:
وهو أن يحتاج شخص إلى النقد فيشتري سلعة من البنك بثمن مؤجل، ثم يبيعها على غير البنك نقدًا؛ مثلًا: يحتاج شخص إلى مبلغ ثمانين ألف ريال نقدًا، فيذهب إلى البنك ويشتري منهم سيارة بالتقسيط بمائة ألف ريال مؤجلة في أربع سنوات، فإذا تملك السيارة العميل، وقبضها، باعها في السوق على غير البنك، وعلى غير المعرض الأول الذي باعها على البنك، باعها في السوق بثمانين ألف ريال نقدًا، الآن أصبح عنده ثمانون ألف ريال وفي ذمته كم؟ مائة ألف ريال لصالح البنك، هذا يُسمى عند أهل العلم التورق، وكان معروفًا عند الفقهاء المتقدمين واختلفوا فيه، فبعضهم حرمه من أصله، وبعضهم أجازه، والذي تقتضيه الأدلة وما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن هذا التورق جائز، وليس من العينة المحرمة؛ لأن المشتري يبيع السلعة على غير البائع الذي باعها عليه، ولأن المشتري كما أن له أن ينتفع بالسلعة بالركوب إن كانت تركب، وباللبس إن كانت تلبس، وبالاستعمال إن كانت تستعمل له كذلك أن يبيعها وينتفع من ثمنها.