وهذه قصةٌ من واقع الحياة تقول: إنَّ فتاةً رفضَت الزواج بعد الثانويَّة العامَّة، وكان عمرها تسع عشرة سنة، وقالت: لن أتزوج إلاَّ بعد الكلية، ولما تخرجت من الكلية كان عمرها ثلاثًا وعشرين سنة (يعني دخلت في العنوسة) إذا لم تُعِد سنة أو سنتين، وبعد التخرُّج، قالت: لن أتزوج الآن؛ لأنني أريد أن أرتاح من عناء الدراسة بالعمل في التدريس، فعملت به سنتين مثلًا، فأصبح عمرها خمسًا وعشرين سنة، وهي تشعر بذلك، أوْ لا تشعر، والنتيجة أنَّ الخُطَّاب انصرفوا عنها، وتوقَّفوا، وخاصة الشباب، فأصبحَت عندها مشكلة، هي تريد وتتمنَّى شابًّا، لكن الشاب لا يريد بنتًا أكبر منه سنًّا، هي لا تريد رجلًا كبيرًا في السنِّ، وربما أنها لا تريد الذي معه زوجة، فتصبح تعذِّب نفسها وتقتل مستقبلها الحقيقيَّ، وتضيع زهرة شبابها بدخولها في قطار العنوسة؛ بسبب مواصلة الدراسة.
وربما أن الوالد كان له نصيبٌ من الإثم؛ لأنه شجَّعها على مواصلة الدِّراسة، وتأخير الزواج، أو أنه رضي بتصرفاتها، ولم يقنعها بالزواج في حينه، ثم مواصلة الدراسة، فأنصح كلَّ فتاة (محبَّةً فيها وإبراءً للذِّمة) أنَّه إذا تقدَّم لها الزوج الكفء، وشاورها والدها، أن توافق عليه، وتشترط مواصلة الدِّراسة، ولا تضيع هذه الفرصة، حتى وإنْ تقدَّم لها وهي تَدْرس في الثانوية، أو في السنوات الأولى من الكلية، ومن المعلوم أنه يوجد بعض الفتيات متزوِّجات، وهنَّ يَدْرسن في الصف الثالث المتوسط، أو في الأول الثانوي، وإن كنَّ قليلات، ثم يكثر عدد المتزوِّجات في الصف الثاني والثالث الثانوي، فاحذري تأخير الزواج بحجَّة مواصلة الدراسة.
وفي قصة أخرى من واقع الحياة لكي يتَّعِظ منها كلُّ فتًى وفتاة قبل فوات الأوان، والقصة بعنوان"عانس بوظيفة عالية" [1] :
جئتُ إلى الدنيا خامسةَ إناثٍ لأبوين لم يُرزَقا بالبنين، وماتت أمِّي عقب الوضع، فرعاني والدي، وقد أصرَّ على أن يجعل منِّي رجلًا.
وهيَّأ لي من فُرَص التعليم والنجاح، ما لم يُتحْ لإخوتي الأربع، ثم دفع بي إلى الجامعة، وقد أقام والدي من نفسه حارسًا عليَّ، يصدُّ عني طُلاَّب الزواج، ويصوِّر لي كلَّ خاطب في صورة الطامع بي الذي يريد أن يسلبني كلَّ ما ظفرت به من مجدٍ ومال.
(1) سمير عبده،"العلاقات المشتركة بين الرجل والمرأة"، ص: 222 - 223.