وكما ذُكِر آنفًا، فقد أشار بذلك رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( إذا خطب إليكم مَن ترضون دينه وخلُقَه، فزَوِّجوه؛ إلاَّ تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض، وفسادٌ عريض ) ).
وهو ذاك الذي يكرم المرأة، ولا يجحف في حقِّها، فإنْ أحبَّها أمسَكَها وأكرمها، وإن لم يرغبها وكره منها شيئًا، لم يُهِنها.
وتذكَّرْ أيُّها الأب وأيَّتها المرأة قولَ الشاعر:
لاَ تَعْجَلَنَّ فَلَيْسَ الرِّزْقُ بِالعَجَلِ = الرِّزْقُ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ مَعَ الأَجَلِ
فَلَوْ صَبَرْنَا لَكَانَ الرِّزْقُ يَطْلُبُنَا = لَكِنَّهُ خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلِ
إنَّ الولِيَّ أو الوالد القارئ لكتاب الله، والمستمعَ إليه، المطَّلِع على سُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهَدْيِ صحابته الكرام، ويعرف أخبارهم - يعلم أنه ليس عيبًا أن يخطب الوالدُ لابنتِه زوجًا صالحًا؛ يصرِّح له بذلك، أو يُلمِّح له، ويكفينا من ذلك ما ذكَرَه الله عن شعيبٍ - عليه السَّلامُ - في سورة القصص، لَمَّا علم أمانة موسى - عليه السَّلام - وخلُقَه، خطبَه لإحدى بناته خطبةً صريحة، فقال الله - عزَّ وجلَّ - عنه: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ} [القصص: 27] ، وعمر بن الخطاب عرَض ابنته حفصة على أبي بكر الصدِّيق، ثم على عثمان بن عفان - رضي الله عنهم أجمعين - فسكَتا؛ لأنَّهما كانا يعلمان أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قد ذكَرَها، ولا يريدان إفشاءَ سرِّه، ثم تزوَّج بها الحبيبُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - فأقول هذا وأنصح به الآباء المحبِّين لبناتهم، والذين يبحثون عن سعادتهن في الدُّنيا والآخرة.
إن تصرّف الوالد خلاف هدْيِ الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد أمرَنا النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - باستشارة الزوجة، وأخذ رأيها، وطلَبِ موافقتها ورضاها، فإن كانت بِكْرًا سكتَتْ، وإن كانت ثيِّبًا نطقت بالرِّضا أو عدَمِه.
ولذا يقول الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - في حديثٍ معناه: (( أمَّا البِكْر، فرِضاها سكوتها، وأما الثيِّب فتنطق ) )، فعلى الآباء أن يتَّقوا الله، ويحذروا من إجبار البنت على الزواج بمن ليس كُفأً لها، إلاَّ إذا افترضنا أنَّ الفتاة ترفض الصالحين،